فهرس الكتاب

الصفحة 48 من 171

ثالثها: قال الواحديّ: أنزل الله في الكلالة آيتين إحداهما في الشّتاء، وهي التي في أوّل النّساء، والأخرى في الصيف وهي التي في آخرها، وعجبت للبلقيني كيف غفل عن هذه.

رابعها: ما في سورة الأحزاب من آيات غزوة الخندق، فقد كانت في البرد ففي حديث حذيفة: تفرّق النّاس عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ليلة الأحزاب إلّا اثني عشر رجلا فأتاني رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقال: «يا بن اليماني، قم فانطلق إلى عسكر الأحزاب فانظر إلى حالهم» قلت: يا رسول الله، والّذي بعثك بالحق ما قمت لك إلّا حياء من البرد. الحديث، وفي بعض طرقه قال في آخره: فأنزل الله {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ} إلى آخرها. [ (33) الأحزاب: 9] .

النّوع التّاسع: الفراشيّ

ذكر له البلقيني مثالا واحدا وهو آية الثّلاثة الذين خلفوا كما تقدّم أنّها نزلت وقد بقي من اللّيل الثّلث وهو صلّى الله عليه وسلّم عند أمّ سلمة، وظفرت بمثال آخر، وهو: {وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} [ (5) النساء: 67] كما تقدم، واستشكل الجمع بين ما تقدّم من نزول الآية في بيت أم سلمة وقول النبي صلّى الله عليه وسلّم في حقّ عائشة: «ما نزل عليّ الوحي في فراش امرأة غيرها» ، قال البلقيني: ولعل هذا كان قبل القصة التي نزل فيها الوحي في فراش أمّ سلمة.

قلت: ظفرت بما يحصل به الجواب وهو أحسن من هذا، فروى أبو يعلى في مسنده عن عائشة قالت: أعطيت تسعا الحديث، وفيه: «وإن كان الوحي لينزل عليه وهو في أهله فينصرفون عنه، وإن كان لينزل عليه وأنا معه في لحافة» . وعلى هذا لا معارضة بين الحديثين كما لا يخفى.

النّوع العاشر: النّومي

ذكره البلقيني وجعله ملحقا بما قبله ورأينا إفراده بنوع أليق، ومثّل بما في صحيح مسلم عن أنس قال: بينا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ذات يوم بين أظهرنا في المسجد إذا غفي إغفاءة ثم رفع رأسه متبسّما فقلنا: ما أضحكك يا رسول الله؟ فقال: أنزل علىّ آنفا سورة فقرأ: {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ. فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ. إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ} .

وقال الإمام الرّافعي في أماليه: فهم فاهمون من الحديث أن السورة نزلت في تلك الإغفاءة وقالوا: من الوحي ما كان يأتيه في النوم لأن رؤيا الأنبياء وحي قال: وهذا صحيح، لكن الأشبه أن يقال: إن القرآن كلّه نزل في اليقظة، وكأنه خطر له في النّوم سورة الكوثر المنزلة في اليقظة أو عرض عليه الكوثر التي وردت فيه السورة فقرأها عليهم وفسّرها لهم، قال: وورد في بعض الروايات أنه أغمي عليه وقد يحمل ذلك على الحالة التي كانت تعتريه عند نزول الوحي ويقال لها: برحاء الوحي. انتهى.

قلت: الذي قاله الرّافعيّ في غاية الاتجاه، وهو الذي كنت أميل إليه قبل الوقوف عليه والتأويل الأخير أصحّ من الأول، لأن قوله: أنزل عليّ آنفا يدفع كونها نزلت قبل ذلك، بل نقول: نزلت في تلك الحالة وليست الإغفاءة إغفاءة نوم، بل الحالة التي كانت تعتريه عند الوحي، فقد ذكر العلماء أنّه كان يؤخذ عن الدّنيا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت