قصد الخاصّ من جهة خصوصه فيقدّم للاهتمام به من غير تعرّض لنفي غيره، قال: وإنّما جاء النّفي في: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} للعلم بأنّ قائليه لا يعبدون غير الله، ولذا لم يطّرد ذلك في
بقيّة الآيات، فإن قوله تعالى: {أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ} [ (3) آل عمران: 83] لو جعل في معنى ما يبغون إلّا غير دين الله وهمزة الإنكار داخلة عليه لزم أن يكون المنكر الحصر لا مجرّد بغيهم غير دين الله وليس المراد. وكذلك {أَإِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ} [ (37) الصافات: 86] المنكر إرادتهم آلهة دون الله من غير حصر انتهى، وهذا الّذي قاله هو التّحقيق.
هذا النّوع من زيادتي وهو لطيف، ولم نر أحدا من أهل المعاني والبيان، والبديع، وكنت تأمّلت قوله تعالى: {لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا} [ (76) الإنسان: 13] والقولين اللّذين في الزّمهرير، فقيل: هو القمر في مقابلة الشمس، وقيل: هو البرد فقلت: لعلّ المراد به البرد، وأفاد بالشّمس: أنّه لا قمر فيها، وبالزّمهرير: أنّه لا حرّ فيها فحذف من كلّ شقّ مقابل الآخر، وقلت في نفسي: هذا نوع من البديع لطيف لكنّي لا أدري ما اسمه ولا أعرف في أنواع البديع ما يناسبه حتّى أفادني بعض الأئمّة الفضلاء أنّه سمع بعض شيوخه قرّر له مثل ذلك في قوله تعالى: {فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرى كَافِرَةٌ} [ (3) آل عمران: 13] قال:
فأفاد بقوله: كافرة أنّ الفئة الأولى مؤمنة، وبقوله: {تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} أنّ الأخرى تقاتل في سبيل الطّاغوت قال: وهذا النّوع يسمّى بالاحتباك قال الإمام الفاضل المذكور:
وتطلّبت ذلك في عدّة كتب فلم أقف عليه، وأظنه في شرح الحاوي لابن الأثير، ثمّ صنّف المذكور في هذا النّوع تأليفا لطيفا سمّاه: الإدراك لفنّ الاحتباك.
ثمّ وقفت في التّبيان للطّيبيّ على ما يشبه هذا النّوع وسمّاه: الطّرد والعكس وقال:
هو أن يؤتى بكلامين يقرّر الأوّل بمنطوقه مفهوم الثّاني وبالعكس كقوله تعالى: {لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} [ (24) النور: 58] فقوله: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ}
كلام مقرّر للأمر بالاستئذان في تلك الأوقات خاصة فمنطوق الأمر بالاستئذان مقرر لمفهوم رفع الجناح وبالعكس.
قال: وكذا قوله تعالى: {لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} [ (66) التحريم:
6]ثمّ وجدت هذا النّوع بعينه مذكورا في شرح بديعيّة أبي عبد الله بن جابر لرفيقه أحمد بن يوسف الأندلسي وهما المشهوران بالأعمى والبصير قال ما نصه: من أنواع البديع:
الاحتباك وهو نوع عزيز وهو أن يحذف من الأوّل ما أثبت نظيره في الثّاني ومن الثّاني ما أثبت نظيره في الأوّل كقوله تعالى: {وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ} [ (2) البقرة:
171]الآية، والتّقدير: مثل الأنبياء والكفّار كمثل الّذي ينعق والّذي ينعق به فحذف من الأوّل: الأنبياء لدلالة الّذي ينعق عليه، ومن الثّاني: الذي ينعق به لدلالة الّذين كفروا عليه.