الاحتباك وهو نوع عزيز وهو أن يحذف من الأوّل ما أثبت نظيره في الثّاني ومن الثّاني ما أثبت نظيره في الأوّل كقوله تعالى: {وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ} [ (2) البقرة:
171]الآية، والتّقدير: مثل الأنبياء والكفّار كمثل الّذي ينعق والّذي ينعق به فحذف من الأوّل: الأنبياء لدلالة الّذي ينعق عليه، ومن الثّاني: الذي ينعق به لدلالة الّذين كفروا عليه.
وقوله: {لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ} {وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا} [ (18) الكهف: 2، 4] الآية، حذف من الأوّل مفعول: «لينذر» الأوّل وهو: «الّذين قالوا» . ومن الثّاني: مفعوله الثّاني وهو: «بأسا شديدا» .
وقوله: {وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ} [ (27) النمل: 12] التّقدير: تدخل غير بيضاء، وأخرجها تخرج إلى آخره، فحذف من الأوّل، تدخل إلى آخره، ومن الثّاني: وأخرجها انتهى ملخّصا.
هذا النّوع من زيادتي، وهو من فنون البديع، وألّف الصّلاح الصّفديّ فيه تأليفا، وهو: أن تقع صفة في كلام الغير كناية عن شيء أثبت له حكم فيثبتها لغيره من غير تعرّض لثبوته وانتفائه نحو: {يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ} [ (63) المنافقون: 8] فالأعزّ وقعت في كلام المنافقين كناية عن فريقهم والأذلّ كناية عن المؤمنين، وقد أثبتوا لفريقهم المكنيّ عنه بالأعزّ الإخراج، فأثبت الله في الرّدّ عليهم صفة العزّة لغير فريقهم: وهو الله ورسوله والمؤمنون، ولم يتعرّض لثبوت ذلك الحكم الّذي هو الإخراج للموصوفين بالعزّة وهو الله ورسوله والمؤمنون، ولا لنفيه عنهم، كذا عرّفوه في البديع. وعرّفوه في الأصول بتسليم الدّليل مع بقاء النزاع، وبيانه هنا أن يقال: صحيح أنّ الأعزّ يخرج الأذلّ كما قلتم لكن الله ورسوله والمؤمنون هم الأعز المخرجون وأنتم الأذلّ المخرجون، فالدّليل وهو كون الأعزّ يخرج الأذلّ مسلّم، ولكنّ النّزاع بين الله والمنافقين في المتّصف به وهذا أدقّ من الأوّل.
النّوع الخامس والسّبعون: المطابقة
هذا النّوع من زيادتي، وهي الجمع بين متقابلين في الجملة، ويكون بلفظين من نوع: اسمين نحو: {وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ} [ (18) الكهف: 18] أو فعلين نحو {يُحْيِي وَيُمِيتُ} [ (57) الحديد: 2] أو حرفين نحو: {لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ} [ (2) البقرة:
286]أو نوعين نحو: {أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ} [ (6) الأنعام: 122] .
ويكون مثبتا كما ذكر ومنفيا نحو: {فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ} [ (5) المائدة: 44]
{وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [ (30) الروم: 6] .