ويحرم أن يخرّج القرآن على القواعد المنطقيّة، وقد اتّفق أهل عصرنا ممّن يبيح المنطق منهم ومن يحرّمه على التّغليظ على بعض العجم، وقد خرّج بعض آيات القرآن عليه وأفتوا بتعزيره وزجره وأنّه أتى بابا من العظائم، وإذا أعرب آية أعربها على أظهر
محتملاتها وأرجحها، ولا يذكر كلّ ما تحتمله وإن كان بعيدا جائزا إلّا لقصد التّمرين، ولا يذكر الأقاصيص الّتي لا يدري صحّتها خصوصا الإسرائيليّات، وليقتصر منها على ما تدعو الضّرورة إليه إذا كان في الآية إشارة إليه متحرّيا أصحّ ما ورد وسيأتي حكم التّفسير بالرّأي.
هذا النّوع من زيادتي. ويشبهه من علم الحديث: معرفة من تقبل روايته ومن لا تقبل.
قد تقدّم في آداب المفسّر أنّ التّفسير يطلب أوّلا من القرآن ثمّ السّنّة ثمّ أقوال الصّحابة والتّابعين، فناقل ذلك عنهم شرطه شروط الرّواية وهي: العدالة والحفظ والإتقان وهو مقدّر في علم الحديث، وكذا رجال القرآن لما تقدّم من أن أحد أركانه صحّة السّند.
وصحّ عن النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم وعن الصّحابة أنّ التّفسير بالرّأي حرام، وتقدّم في المقدّمة الفرق بينه وبين التأويل.
فأمّا الأوّل فحرام مطلقا لما فيه من الشهادة على الله والقطع بأنّه مراده.
وأمّا الثّاني: وهو التّأويل فقد اختلف في جوازه فمنعه قوم سدّا للباب وتمسّكا بظاهر الحديث، وجوّزه آخرون لمن كان عالما بعلوم:
أحدها: اللّغة لأنّ بها معرفة شرح مفردات الألفاظ ومدلولاتها.
الثّاني: النّحو لأنّ المعنى يتغيّر ويختلف باختلاف الإعراب فلا بدّ من اعتباره.
الثّالث: التّصريف لم يذكره بعضهم وهو الأصوب، ووجه من ذكره أنّ به تعرف الأبنية والصّيغ.
الرّابع: الاشتقاق لأنّ الاسم إذا كان اشتقاقه من مادّتين مختلفتين اختلف المعنى باختلافهما، كالمسيح هل هو من السّياحة أو المسح.
الخامس: المعاني لأنّ به تعرف خواصّ تراكيب الكلام من جهة إفادتها المعنى.
السّادس: البيان لأنّ به تعرف خواصّ التّراكيب من حيث اختلافها بحسب وضوح الدّلالة وخفائها.
السّابع: البديع لأنّ به تعرف وجوه تحسين الكلام.
الثّامن: علم القراءات لأنّ به تعرف كيفيّة النّطق بالقرآن، وبالقراءات ترجّع بعض الوجوه المحتملة على بعض.
التّاسع: علم أصول الدّين لما في القرآن من الآيات الدّالة بظاهرها على ما لا يجوز على الله فالأصوليّ يؤول ذلك ويستدلّ على ما يستحيل وما يجب وما يجوز.