فهرس الكتاب

الصفحة 65 من 171

الرابعة: السّبب في نزول القرآن على هذه الأحرف التّيسير والتّسهيل على هذه الأمة، والنهاية في إعجاز القرآن وإيجازه وبلاغة اختصاره إذ تنوّع اللّفظ بمنزلة آيات ولو جعل دلالة على كل آية لم يخف ما فيه من التطويل، وإظهار شرف القرآن بعد تطرّق التّضادّ والتناقض إليه مع كثرة هذه الاختلافات والتنوّعات، وإعظام أجور الأمة في إفراغهم الجهد في تتبّع معاني ذلك واستنباط الحكم والأحكام من كلّ لفظة، وإظهار فضلها إذ لم ينزل كتاب غيرهم إلّا على لفظ واحد تشريفا لنبيّنا عليه أفضل الصّلاة والسّلام.

النّوع الحادي والثّاني والثّالث والعشرون: المتواتر والآحاد والشّاذّ

قال البلقيني: اعلم أن القراءة تنقسم إلى متواتر وآحاد وشاذ، فالمتواتر: القراءات السّبع المشهورة، والمراد بذلك: ما قرءوه من الحركات والحروف دون ما كان من قبيل تأدية اللفظ من أنواع الإمالة، والمد، والتخفيف فليس بمتواتر. نعم أصل المدّ والإمالة والتخفيف متواتر لاشتراك القرّاء فيه، وأما ما عدا السبعة من قراءة أبي جعفر يزيد بن القعقاع ويعقوب واختيارات خلف التي هي تمام العشر، فإنها ليست من المتواتر على الأرجح، ومن جعلها منه من المتأخّرين ففي قوله نظر لأن المتواتر في السّبع إنما جاء من تلقّي أهل الأمصار لها من غير نكير، وقراءة المذكورين لم يتلقّها أهل الأمصار كتلقّي تلك القراءات والّذي يظهر أنّ هذه القراءات يطلق عليها آحاد وتلحق بالآحاد: قراءات الصحابة، أما قراءات التابعين كابن جبير ويحيى بن وثّاب والأعمش ونحوهم فمعدودة من الشّاذ إذ لم تشتهر كباقي العشرة ولو كان في الحديث لأطلق عليه مرسل.

ولا يقرأ في الصّلاة إلّا بالمتواتر دون الآحاد والشّاذ، ومما يدلّ على هذا التقسيم أن الأصحاب تكلّموا على القراءة الشّاذّة فقالوا: إن جرت مجرى التّفسير والبيان عمل بها، وإن لم يكن كذلك فإن عارضها خبر مرفوع قدم عليها أو قياس ففي العمل لها قولان فأنزلوا قراءة الصّحابة منزلة خبر الواحد، والقراءات الثّلاث متصلة بالصّحابة. انتهى كلامه.

وفيه أنظار في مواضع منه تعرف مما سنذكره، فقال السّبكيّ في شرح المنهاج: قالوا تجوز القراءة في الصّلاة وغيرها بالسّبع ولا تجوز بالشّاذّ وظاهر هذا يوهم أن غير السّبع شاذّ، وقد نقل البغويّ في تفسير الاتّفاق على القراءة بالثّلاث أيضا. قال: وهذا هو الصّواب، قال: الخارج عن السّبع منه ما يخالف رسم المصحف فلا شكّ في تحريم القراءة به، ومنه ما لا يخالفه ولم تشتهر القراءة به بل ورد من طريق غريبة لا يعوّل عليها، وهذا يظهر المنع من القراءة به أيضا.

ومنه ما اشتهر عند أئمّة هذا الشأن القراءة به قديما وحديثا، فهذا لا وجه للمنع منه، ومن ذلك قراءة يعقوب وغيره، قال: والبغويّ أولى من يعتمد عليه في ذلك فإنه مقرئ فقيه جامع للعلوم. قال: وهكذا التّفصيل في شواذّ السّبعة فإن عنهم شيئا كثيرا شاذّا، انتهى.

وقال ولده في منع الموانع: القول بأنّ الثّلاث غير متواترة في غاية السّقوط ولا يصحّ القول به عمّن يعتبر قوله في الدّين وهي لا تخالف رسم المصحف. قال: وقد سمعت

الشّيخ الإمام يعني والده يشدّد النكير على بعض القضاة وقد بلغه أنّه منع القراءة بها وكذا قال ابن الصّلاح في فتاويه: يشترط أن يكون المقروء به قد تواتر نقله عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قرآنا واستفاض وتلقّته الأمّة بالقبول: فما لم يوجد فيه ذلك ممّا عدا السّبع أو العشر فممنوع من القراءة به منع تحريم لا منع كراهة، لأن المعتبر في ذلك اليقين والقطع على ما تقرّر في الأصول.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت