فقيل له: هل تجد فيه: من جهل شيئا عاداه؟ قال: نعم في قوله: {بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ} [ (10) يونس: 39] ، وقوله: {وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ}
[ (46) الأحقاف: 11] .
فقيل له: هل تجد فيه: احذر شرّ من أحسنت إليه؟ قال: نعم في قوله: {وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ} [ (9) التوبة: 84] .
فقيل له: فهل تجد فيه: لا يلدغ المؤمن من جحر مرّتين؟ قال: نعم في قوله تعالى: {هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ} [ (12) يوسف: 64] .
فقيل له: هل تجد فيه: من أعان ظالما سلّط عليه؟ قال: نعم في قوله تعالى:
{كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ} [ (22) الحج: 4] .
وسئل بعضهم: أين تجد في القرآن: الحبيب لا يعذّب حبيبه؟ فقال: في قوله تعالى: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ} [ (5) المائدة: 18] .
هذان النّوعان من زيادتي، ويشبههما من علم الحديث: آداب المحدّث وآداب طالب الحديث، وللنّاس في ذلك تصانيف أشهرها: التّبيان للنّوويّ، ومختصره له، وأنا أشير هنا إلى مقاصده حاذفا معظم الأدلّة اختصارا.
فعلى كلّ من القارئ والمقرئ: إخلاص النّيّة، وقصد وجه الله، وأن لا يقصد بتعلّمه أو بتعليمه غرضا من الدّنيا كرئاسة أو مال. ولا يشين المقرئ إقراؤه بطمع في رفق يحصل له من بعض من يقرأ عليه، ولا التكثّر بكثرة المشتغلين عليه والمترددين إليه، ولا يكره قراءة أصحابه على غيره ويتخلّق بآداب القرآن ويقف عند حدوده وأوامره ونواهيه، ويعمل بمكارم الأخلاق المرضية من الزّهد في الدّنيا وعدم الالتفات إليها وإلى أهلها، والجود وطلاقة الوجه والسّكينة والوقار والخضوع واجتناب الضّحك وكثرة المزاح، والتّنظّف بإزالة الأوساخ والشّعر والظّفر والرّيح الكريه وتسريح اللّحية ودهنها والمحافظة على الطّهارة واتّباع الأحاديث الواردة بالأذكار وفضائل الأعمال والتّبرّي من أمراض القلوب كالحسد والرّياء والعجب والتكبر، وإن كان غيره دونه، وأن لا يرى نفسه خيرا من أحد، ويرفق بطلبته، ويرحّب بهم ويحسن إليهم بحسب حاله وحالهم، وينصحهم ما استطاع، ويتواضع لهم ويحرّضهم على التعلّم ويؤلّفهم عليه، ويعتني بمصالحهم ويصبر على بطيء الفهم ويعذر من قلّ أدبه في بعض الأحيان ويعرّفه ذلك بلطف، لئلّا يعود إلى مثله، ويعوّدهم بالتّدريج بالآداب السّنية، ويأخذهم بإعادة محفوظاتهم ويثني على من ظهرت
نجابته ما لم يخش عليه الإعجاب ويعنّف من قصّر تعنيفا لطيفا ما لم يخش تنفيره، ويقدّم في تعليمهم السّابق فالسّابق، ولا يمكّنه من إيثاره بنوبته إلّا لمصلحة شرعيّة، فإنّ الإيثار في القرب مكروه، ويتفقّد أحوالهم، ويسأل عن غائبهم، ولا يمتنع من تعليم أحد لكونه غير صحيح النّيّة، ويصون يديه حال الإقراء عن العبث وعينيه وأذنيه عن النّظر والسّمع لغير القارئ، ويقعد متطهّرا مستقبل القبلة في ثياب بيض نظيفة، وإذا وصل لموضع جلوسه صلّى ركعتين، فإن كان مسجدا تأكّد، وليكن مجلسه حسنا واسعا، ولا يذلّ العلم فيذهب إلى موضع ينسب إلى من يتعلّم منه فيعلّمه فيه ولو كان خليفة فمن دونه.