السّادس: التكميل ويسمّى أيضا: احتراسا وهو: أن يؤتى في كلام يوهم خلاف المقصود بما يدفعه نحو: {أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ} [ (5) المائدة: 54] فلو اقتصر على: (أذلّة) لتوهّم أنّهم أذلّة لضعفهم فجاء قوله: { (أَعِزَّةٍ) } لنفي ذلك. وكذلك:
{أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ} [ (48) الفتح: 29] لأنه لو اقتصر على الأوّل لأوهم الغلظة والفظاظة، وكذا: {وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ} بين: قالوا نشهد إنّك لرسول الله: {وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ} [ (63) المنافقون: 1] ولولاه لكان يوم ردّ التكذيب إلى نفس الشّهادة.
السّابع: التتميم، وهو أن يؤتى في كلام لا يوهم خلاف المقصود بفضلة لنكتة كالمبالغة نحو: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلى حُبِّهِ} [ (76) الإنسان: 8] ، {وَآتَى الْمَالَ عَلى حُبِّهِ}
[ (2) البقرة: 177] أي مع حبه فإن الإطعام وإيتاء المال مع حبّه أبلغ.
الثّامن: الاعتراض وهو: أن يؤتى في أثناء الكلام أو بين كلامين متّصلين معنى بجملة أو أكثر لا محلّ لها من الإعراب لنكتة كالتّنزيه في قوله تعالى: {وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ} [ (16) النحل: 57] . «فسبحانه» هنا تضمّنت تنزيها لله تعالى عن البنات، وكقوله تعالى: {وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ} [ (31) لقمان: 14] قوله: { «حَمَلَتْهُ» } إلى آخره اعتراض لتأكيد الوصية، وقوله: {فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ} [ (2) البقرة: 223، 224] فنساؤكم متصل بقوله: {فَأْتُوهُنَّ} لأنّه بيان له وما بينهما اعتراض وأمثلته في القرآن كثيرة.
وقد يكون الإطناب بغير أحد هذه الأمور نحو: {الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ} [ (40) غافر: 7] فقوله: {وَيُؤْمِنُونَ بِهِ} إطناب لأن إيمانهم ليس ممّا ينكر، وحسّن ذكره إظهار شرف الإيمان ترغيبا فيه، وكذا قوله تعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ} [ (2) البقرة: 164] الآية، فيها أبلغ الإطناب لكونها وردت مع المنكرين وحدانيّة الله تعالى الطّالبين على ذلك دليلا.
هذا النّوع من زيادتي والمراد به الآيات المتشابهة، وحكمة تكرارها ونكتته: ما في إحدى المتشابهتين ممّا ليس في الأخرى من تقديم أو تأخير أو زيادة، وقد صنّف في ذلك جماعة تصانيف منها: البرهان في متشابه القرآن لمحمود بن حمزة الكرماني، ومن أمثلته:
الرّحمن الرّحيم في الفاتحة، كرّره بعد ذكره في البسملة تأكيدا لرحمته تعالى، ولأنّه ذكره أولا مع المنعم عليهم فأعاده معهم وهم العالمون، وأشار بالرّحمن إلى أنّه رحمن لجميعهم في الدّنيا، وبالرّحم إلى أنّه خاص بالمؤمنين يوم الدّين، ومنها قوله تعالى في
البقرة: {اهْبِطُوا مِنْهَا} مكرّرا في موضعين، لأن المراد بالأوّل: الهبوط من الجنّة. والثّاني من السّماء.