{إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ} [ (28) القصص: 56] والجمع أنّ الهدى مشترك فيطلق على الدلالة وهو المنسوب إليه في الأوّل، وعلى خلق الاهتداء وهو المنفيّ عنه في الثاني.
ومن رسخ قدمه في معرفة موادّ العرب واستعمالاتها وفنون اللّغة ورزق فهما وبصيرة لم يخف عليه الجمع بين الآيات المشكلة. وقد روي أن ابن عباس توقّف في بعض ذلك فروى أبو عبيد: حدّثنا إسماعيل بن إبراهيم عن أيوب عن ابن أبي مليكة قال: سأل رجل ابن عباس عن: {يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ} [ (32) السجدة: 5] فقال له ابن عبّاس: فما {يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ} [ (70) المعارج: 4] ؟ فقال الرّجل: إنّما سألتك لتحدّثني فقال ابن عباس: هما يومان ذكرهما الله في كتابه الله أعلم بهما.
المجمل: ما لم تتّضح دلالته، ومنع داود الظّاهريّ وقوعه في القرآن وعلى الأصح في جواز إبقائه على إجماله ثلاثة أقوال: أصحّها: لا يجوز إبقاء المكلّف بالعمل به، ويجوز إبقاء غيره، ومن أمثلة ذلك قوله تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} [ (2) البقرة:
43]، {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ} [ (3) آل عمران: 97] . وقد بيّنت السّنّة أفعال الصّلاة والحجّ ومقادير نصب الزّكاة في أنواعها وقوله تعالى: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ} [ (3) آل عمران: 7] تردّد لفظ (الرّاسخون) بين العطف والابتداء، وقد حمله الجمهور على الابتداء للحديث السّابق {أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ} [ (2) البقرة: 228] يحتمل أن يكون الوليّ، وأن يكون الزّوج، وقد حمله إمامنا الشّافعيّ على الزّوج ومالك على الوليّ لما قام عندهما.
{إِلَّا مَا يُتْلى عَلَيْكُمْ} [ (5) المائدة: 1] للجهل حينئذ بمعناه، وقد بيّنه بعد نزوله:
{حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} [ (5) المائدة: 3] إلى آخره، واختلف في قوله تعالى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ} [ (2) البقرة: 275] هل هو عام خصّصت منه السّنّة البيوع الفاسدة أو مجمل بيّنت السّنة ما أجمل منه، أو عامّ اللّفظ مجمل المعنى على أقوال. وادّعى الحنفيّة أنّ منه: {وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ} [ (5) المائدة: 6] لتردّده بين مسح الكلّ والبعض فبيّنه حديث مسح النّاصية، وردّ بأنّه لمطلق المسح الصّادق بأقلّ ما ينطلق عليه الاسم ويفيده.
النّوع التّاسع والأربعون: الاستعارة
وهي نوع من المجاز لكنّها مختصّة باسم وحده، وبعضهم يطلق على المجاز كلّه استعارة، كأنّك استعرت اللّفظ من مستحقّه الّذي وضع له ونقلته إلى غيره، ومنهم من يخصّها بما لم يذكر المستعار له وعرّفها أهل البيان بأنها مجاز علاقته المشابهة، فإطلاق المشفر مثلا على شفة الإنسان إن كان للتّشبيه بمشفر الإبل في الغلظ فهو استعارة، أو
لإطلاق المقيّد على المطلق من غير قصد التّشبيه فمجاز ويسمّى: مرسلا، وهي أقسام كثيرة فمنها: تحقيقيّة وهي: ما تحقّق معناها عقلا أو حسّا نحو: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} [ (1) الفاتحة: 5] أي: الدّين الحق {أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ} [ (6) الأنعام: 122] أي: ضالا فهديناه ومنها: تهكّميّة وتمليحيّة، وهما ما استعملا في ضدّه أو نقيضه نحو: