فهرس الكتاب

الصفحة 49 من 171

وقال الإمام الرّافعي في أماليه: فهم فاهمون من الحديث أن السورة نزلت في تلك الإغفاءة وقالوا: من الوحي ما كان يأتيه في النوم لأن رؤيا الأنبياء وحي قال: وهذا صحيح، لكن الأشبه أن يقال: إن القرآن كلّه نزل في اليقظة، وكأنه خطر له في النّوم سورة الكوثر المنزلة في اليقظة أو عرض عليه الكوثر التي وردت فيه السورة فقرأها عليهم وفسّرها لهم، قال: وورد في بعض الروايات أنه أغمي عليه وقد يحمل ذلك على الحالة التي كانت تعتريه عند نزول الوحي ويقال لها: برحاء الوحي. انتهى.

قلت: الذي قاله الرّافعيّ في غاية الاتجاه، وهو الذي كنت أميل إليه قبل الوقوف عليه والتأويل الأخير أصحّ من الأول، لأن قوله: أنزل عليّ آنفا يدفع كونها نزلت قبل ذلك، بل نقول: نزلت في تلك الحالة وليست الإغفاءة إغفاءة نوم، بل الحالة التي كانت تعتريه عند الوحي، فقد ذكر العلماء أنّه كان يؤخذ عن الدّنيا.

النوع الحادي عشر: أسباب النّزول

وهو نوع مهم محتاج إليه وصنّف النّاس فيه مصنّفات، ومن أحسنها كتاب الواحدي، ثم شيخ الإسلام حافظ العصر أبي الفضل بن حجر، وما كان منه عن صحابي فهو مسند مرفوع، إذ قول الصحابي فيما لا دخل فيه للاجتهاد مرفوع، أو تابعيّ فمرسل، وشرط قبولهما صحّة السند، ويزيد الثاني أن يكون راويه معروفا بأن لا يروي إلّا عن الصحابة، أو ورد له شاهد مرسل أو متّصل ولو ضعيفا، وإذا تعارض فيه حديثان فإن أمكن الجمع بينهما فذاك كآية اللّعان، ففي الصّحيح عن سهل بن سعد السّاعديّ أنها نزلت في قصة عويمر العجلاني وفيه أيضا أنها نزلت في قصة هلال بن أميّة، فيمكن أنها نزلت في حقهما أي بعد سؤال كل منهما فيجمع بهذا، وإن لم يمكن قدّم ما كان سنده صحيحا أو له مرجّح ككون راويه صاحب الواقعة التي نزلت فيها الآية ونحو ذلك، فإن استويا فهل يحمل على النّزول مرّتين أو يكون مضطربا يقتضي طرح كل منهما؟ عندي فيه احتمالان وفي الحديث ما يشبهه، وربما كان في إحدى القصتين فتلا فوهم الرّاوي فقال: فنزل كما تقدّم في آية الزّمر، والبارع النّاقد يفحص عن ذلك، وأمثلة هذا النّوع تستقرأ من الكتب المصنّفة فيه وذكر منها كثير في هذا الكتاب في الأنواع السابقة والتي ستأتي.

ثم منها المشهور وهو قسمان: صحيح كقصة الإفك وآية السّعي والتّيمم والعزنيين وموافقات عمر، وضعيف كآية: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلى أَهْلِهَا} [ (4) النساء:

58]، وقد اشتهر أنها نزلت في شأن مفتاح الكعبة، وأسانيد ذلك بعضها ضعيف، وبعضها منقطع، ومنها الغريب وهو أيضا قسمان: صحيح وضعيف، والله أعلم، وهذا الفصل مما حررته واستخرجته من قواعد الحديث ولم أسبق إليه وبالله التوفيق.

النّوع الثّاني والثّالث عشر: أول ما نزل وآخر ما نزل

اختلف في الأول، فالأصحّ أنه: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ} وقيل: {الْمُدَّثِّرُ} ، وقيل:

الفاتحة. حجّة الأوّل: حديث ابن عباس السابق في المكّيّ والمدنيّ، وحديث عائشة أنها قالت: أوّل ما نزل من القرآن {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ} رواه في المستدرك.

وروى أبو عبيد قال: حدثنا عبد الرحمن عن سفيان عن ابن أبي نجيح عن مجاهد:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت