ومما يشبه هذا التّقسيم لأهل الحديث تقسيم القرّاء أحوال الإسناد إلى: قراءة، ورواية، وطريق، ووجه. فالخلاف إن كان لأحد الأئمّة السّبعة أو العشرة أو نحوهم واتفقت عليه الرّوايات والطّرق عنه فهو قراءة، وإن كان للراوي عنه فرواية، أو لمن بعده فنازلا فطريق، أو لا على هذه الصّفة ممّا هو راجع إلى تخيير القارئ فوجه.
الرّابع: من أقسام العلوّ: تقدّم وفاة الشّيخ عن قرينه الّذي أخذ عن شيخه، فالأخذ مثلا عن التّاج بن مكتوم أعلى من الأخذ عن أبي المعالي بن اللّبان وعن ابن اللبان أعلى من البرهان الشّامي وإن اشتركوا في الأخذ عن أبي حيّان لتقدم وفاة الأوّل على الثّاني والثّاني على الثالث.
الخامس: العلوّ بموت الشّيخ مع التفات إلى أثر آخر، أو شيخ آخر متى يكون، قال بعض المحدّثين: يوصف الإسناد بالعلوّ إذا مضى عليه من موت الشّيخ خمسون سنة، وقال ابن منده: ثلاثون فعلى هذا الأخذ عن أصحاب ابن الجزري عال من سنة ثلاث وستين وثمانمائة، لأن ابن الجزري آخر من كان سنده عاليا، وقد مضى عليه حينئذ من موته ثلاثون سنة، فهذا ما حرّرته من قواعد الحديث وفرعت عليه فواعد القراءات ولله المنّة والحمد.
وإذا عرفت العلوّ بأقسامه عرفت النّزول فإنّه ضدّه، وحيث ذمّ النّزول فهو ما لم ينجبر لكون رجاله أعلم أو أتقن أو أجلّ أو أشهر أو أورع، أما إذا كان كذلك فليس بمذموم ولا مفضول، والعالي: ما صحّ إسناده ولو بلغت رواته مائة.
هذا النوع من زيادتي. والمسلسل: ما تواردت رواته على صفة أو كيفيّة واحدة، وقسّمه أهل الحديث إلى أقسام لا يأتي غالبها هنا ومنه، ما تسلسل في أوّله وانقطع لو اعتنى القرّاء به كاعتناء المحدّثين لاتّصل لهم من ذلك شيء كثير. وأكثر ما يقع التّسلسل هنا بصفات الرّواة كالتّسلسل بالقرّاء الحفّاظ، والقرآن كلّه بهذه الصّفة، نقله قارئ عن قارئ إلى منتهاه، وكأن يكون رجال الإسناد كلّهم معمّرين أو شافعيّين أو أندلسيين أو دمشقيين أو مكيين أو نحو ذلك، وقد وقعت لنا سورة الصّفّ مسلسلة بقراءة كلّ شيخ على الرّاوي.
وأخبرني المسند المعمّر أبو عبيد الله محمد بن أحمد الحاكم رحمه الله بقراءتي عليه، أنبأنا أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد بن عبد الواحد المقرئ أخبرنا أبو العباس أحمد بن أبي طالب الصّالحي أخبرنا أبو المنجا بن اللّتي أخبرنا أبو الوقت السجزي أخبرنا أبو الحسن الدّاودي أخبرنا أبو محمد السرخسي أخبرنا أبو عمران السّمرقندي أخبرنا أبو محمد الدّارمي أخبرنا محمد بن كثير عن الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن عبد الله بن سلام قال: قعدنا نفر من أصحاب رسول صلّى الله عليه وسلّم فتذاكرنا فقلنا: لو نعلم أي الأعمال أحبّ إلى الله عز وجل لعملناه فأنزل الله: {سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ} [ (61) الصف: 1، 3] حتى ختمها.
قال عبد الله فقرأها علينا ابن سلام قال يحيى فقرأها علينا أبو سلمة، قال الأوزاعي فقرأها علينا يحيى، قال ابن كثير: فقرأها علينا الأوزاعي، قال الدارمي: فقرأها علينا ابن كثير، قال السّمرقندي: فقرأها علينا الدّارمي، قال السّرخسي: فقرأها علينا السّمرقندي، قال الدّاودي: فقرأها علينا السّرخسي: قال أبو الوقت: فقرأها علينا الدّاودي، قال ابن اللّتي: فقرأها علينا أبو الوقت، قال أبو العباس فقرأها علينا ابن اللّتي، قال أبو إسحاق فقرأها علينا أبو العباس قال أبو عبد الله: فقرأها علينا أبو إسحاق، قلت: فقرأها علينا أبو عبد الله.