ويحكى أن الشيخ شمس الدين بن الجزري لمّا قدم القاهرة وازدحمت عليه الخلق لم يتسع وقته لقراءة الجميع، فكان يقرأ عليهم الآية ثم يعيدونها عليه دفعة واحدة، فلم يكتف بقراءته.
وتجوز القراءة على الشيخ ولو كان غيره يقرأ عليه في تلك الحالة إذا كان بحيث لا يخفى عليه حالهم، وقد كان الشيخ علم الدين السّخاوي يقرأ عليه اثنان وثلاثة في أماكن مختلفة ويردّ على كلّ منهم، وكذا لو كان الشّيخ مشتغلا بشغل آخر كنسخ ومطالعة وأما القراءة من الحفظ فالظاهر أنها ليست بشرط بل تكفي ولو من المصحف.
أحدها: التّحقيق وهو:
إعطاء كلّ حرف حقّه من إشباع المدّ وتحقيق الهمز وإتمام الحركات واعتماد الإظهار والتشديدات وبيان الحروف وتفكيكها وإخراج بعضها من بعض مع التّرسّل والتّؤدة بلا قصر ولا اختلاس ولا إسكان متحرّك ولا إدغامه، ويستحبّ الأخذ به على المتعلّمين من غير مجاوزة إلى حدّ الإفراط بتوليد الحروف من الحركات وتكرير الرّاءات وتحريك السّواكن والفصل بين حروف الكلمة كما يقف كثير من الجهّال على التّاء من (نستعين) وقفة لطيفة مدّعيا أنه يرتّل.
الثّانية: الحدر بفتح الحاء وسكون الدّال وهو:
إدراج القراءة وسرعتها وتخفيفها بالقصر والتسكين والاختلاس والبدل والإدغام الكبير وتخفيف الهمزة بالقصر والتسكين ونحو ذلك مما صحت به الرواية بدون بتر حروف المدّ واختلاس أكثر الحركات والتفريط إلى غاية لا تصحّ بها القراءة ولا توصف بها التّلاوة، وهذا النّوع مذهب ابن كثير وأبي جعفر، ومن قصر المنفصل كأبي عمرو ويعقوب.
الثّالثة: التّدوير
وهو التّوسط بين المقامين وهو المختار عند أكثر أهل الأداء واختلف في الأفضل هل الترتيل وقلّة القراءة أو السّرعة وكثرتها؟ ومعظم السّلف والخلف على الأوّل، وتوسّط بعضهم فقال: ثواب الكثيرة أكثر عددا، وثواب التّرتّل أقلّ قدرا.
وأما كيفيّة الأخذ بإفراد القراءات وجمعها فالّذي كان عليه السّلف أخذ كلّ ختمة برواية لا يجمعون رواية إلى غيرها إلى أثناء المائة الخامسة فظهر جمع القراءات في الختمة الواحدة واستقرّ عليه العمل ولم يكونوا يسمحون به إلّا لمن أفرد القراءات وأتقن طرقها وقرأ قارئ بختمة على حدة، بل إذا كان للشّيخ راويان قرءوا لكلّ راو بختمة، ثم يجمعون له وهكذا، وتساهل قوم فسمحوا أن يقرأ لكلّ قارئ من السبعة بختمة سوى نافع وحمزة، فإنهم كانوا يأخذون بختمة لقالون، ثم بختمة لورش، ثم بختمة لخلف، ثمّ بختمة لخلاد، ولا يسمح أحد بالجمع إلّا بعد ذلك، نعم إذا رأوا شخصا أفرد وجمع على شيخ معتبر وأجيز وتأهّل وأراد أن يجمع القراءات في ختمة لا يكلّفونه الإفراد لعلمهم بوصوله إلى حدّ المعرفة والإتقان.
ثم لهم في الجمع مذهبان: