فهرس الكتاب

الصفحة 98 من 171

{وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا} [ (3) آل عمران: 103] شبّه استظهار العبد بالله ووثوقه به والتجاؤه إليه باستمساك الواقع في مهواة مهلكة بحبل وثيق مدلّى من مكان مرتفع يأمن انقطاعه، ولها أنواع أخر مبيّنة في علم البيان.

النّوع الخمسون: التّشبيه

وهو أيضا نوع من المجاز، ويفارق الاستعارة باقترانه بالأداة وهي الكاف ومثل وكأنّ ونحوها، وإن تجرّد منها لفظا فإن قدّرتها فهو تشبيه وإلّا فاستعارة كقوله تعالى: {صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ} [ (2) البقرة: 18] والتقدير أعمّ من كونه جزء كلام كهذه الآية، وكون الكلام فيه ما يقتضي كقوله تعالى: {حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ} [ (2) البقرة: 187] فالخيط الأسود تشبيه لأن بيان الخيط الأبيض بالفجر قرينة على أن الأسود أيضا مبيّن بسواد آخر اللّيل، ومن أمثلته قوله تعالى: {مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا} [ (62) الجمعة: 5] ، {وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ} [ (36) يس: 39] ، {إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ}

[ (3) آل عمران: 59] وأبلغه المقلوب كما تقدّم في نوع المجاز.

النّوع الحادي والخمسون والثاني والخمسون: الكناية والتّعريض

هذان النّوعان من زيادتي وهما مهمّان، وقد ألّف الشّيخ تقي الدّين السّبكي فيهما كتابا، واختلف النّاس في الفرق بينهما وبين الحقيقة والمجاز بما هو مبسوط في كتب البيان، والّذي تحرّر منه أن الكناية لفظ استعمل في معناه مرادا به لازم المعنى، فهي بحسب استعمال اللّفظ في المعنى حقيقة والتّجوّز في إرادة إفادة ما لم يوضع له، وقد لا يراد منها المعنى بل يعبر بالملزوم عن اللازم وهي حينئذ مجاز كقولك: زيد طويل النّجاد، أي طويل حمائل السّيف مريدا به طول القامة الّذي هو لازم لطوله حقيقة.

ومنه في القرآن: {قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا} [ (9) التوبة: 81] فإنّه لم يقصد إفادة ذلك لأنه معلوم بل إفادة لازمة، وهو أنهم يردونها ويجدون حرّها إن لم يجاهدوا.

وأما التّعريض فهو لفظ استعمل في معناه للتّلويح بغيره نحو: {بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا} [ (21) الأنبياء: 63] نسب الفعل إلى كبير الأصنام المتّخذة آلهة كأنّه غضب أن تعبد الصّغار معه تلويحا لعابديها بأنّها لا تصلح أن تكون آلهة لما يعلمون إذا نظروا بعقولهم من عجز كبيرها عن ذلك الفعل والإله لا يكون عاجزا، فهو حقيقة أبدا ومنه قوله تعالى: {لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ} [ (39) الزمر: 65] الخطاب له صلّى الله عليه وسلّم وهو تعريض بالكفّار {وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [ (36) يس: 22] أي: ومالكم لا تعبدون، وقريب مما تقدّم في حدّهما قول الزّمخشري: الكناية ذكر الشيء بغير لفظه الموضوع له، والتّعريض: أن يذكر شيئا يدلّ على شيء لم يذكره.

وقول ابن الأثير: الكناية: ما دلّ على معنى يجوز حمله على الحقيقة والمجاز

بوصف جامع بينهما، والتّعريض: اللّفظ الدّالّ على معنى لا من جهة الوضع الحقيقي أو المجازيّ، يقول من يتوقّع صلة: والله إنّي لمحتاج فإنه تعريض بالطلب مع أنه لم يوضع له حقيقة ولا مجازا وإنّما فهم من عرض اللّفظ أي جانبه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت