وهي نوع من المجاز لكنّها مختصّة باسم وحده، وبعضهم يطلق على المجاز كلّه استعارة، كأنّك استعرت اللّفظ من مستحقّه الّذي وضع له ونقلته إلى غيره، ومنهم من يخصّها بما لم يذكر المستعار له وعرّفها أهل البيان بأنها مجاز علاقته المشابهة، فإطلاق المشفر مثلا على شفة الإنسان إن كان للتّشبيه بمشفر الإبل في الغلظ فهو استعارة، أو
لإطلاق المقيّد على المطلق من غير قصد التّشبيه فمجاز ويسمّى: مرسلا، وهي أقسام كثيرة فمنها: تحقيقيّة وهي: ما تحقّق معناها عقلا أو حسّا نحو: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} [ (1) الفاتحة: 5] أي: الدّين الحق {أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ} [ (6) الأنعام: 122] أي: ضالا فهديناه ومنها: تهكّميّة وتمليحيّة، وهما ما استعملا في ضدّه أو نقيضه نحو:
{فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [ (3) آل عمران: 21] استعير لفظ: «البشارة» للعذاب، وهي موضوعة للسّرور تهكّما بهم، ومنها: مجرّدة وهي: ما قرن بملائم المستعار له نحو: {فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ} [ (16) النحل: 112] لم يقل: «فكساها» لأنّ الإدراك بالذّوق يستلزم الإدراك باللّمس ولا عكس.
ومنها: مرشّحة وهي: ما قرن بما يلائم المستعار منه نحو: {أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ} [ (2) البقرة: 16] ، استعار الاشتراء للاستبدال والاختيار ثمّ قرنها بما يلائم الاشتراء من الرّبح والتّجارة.
ومنها: استعارة بالكناية: وهي أن يضمر التّشبيه في النّفس فلا يصرّح بشيء من أركانه سوى المشبّه، ويدلّ عليه بأن يثبت للمشبّه أمر مختصّ بالمشبّه به، فنفس التّشبيه هو الكناية، وإثبات ذلك الأمر للمشبّه استعارة تخييليّة نحو: {فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ} [ (2) البقرة: 16] شبّه ما يدرك من أثر الضّرّ والألم بما يدرك من طعم الرّيّ والشبع فأوقع عليه الإذاقة، فتكون الإذاقة بمنزلة الأظفار للمنيّة في قوله:
وإذا المنيّة أنشبت أظفارها وكذا قوله تعالى: {جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ} [ (18) الكهف: 77] شبّه ميلانه للسّقوط بانحراف الحيّ فأثبت له الإرادة الّتي هي من خواصّ العقلاء، وقوله تعالى: {خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ} [ (36) يس: 52] بأن لا تقبل الحق بالشيء الموثوق المختوم ثم أثبت لها الختم.
ومنها: تبعيّة وهي أن يكون المستعار فعلا أو صفة أو حرفا كما تقدّم في آية:
{فَبَشِّرْهُمْ} وآية: {إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ} [ (11) هود: 87] ، ومنه قوله تعالى:
{فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا} [ (28) القصص: 8] استعيرت لام «كي» التي هي للعلّة للغاية.
ومنها: تمثيليّة وهي: ما استعمل فيما شبّه بمعناه الأصليّ تشبيه مبالغة نحو:
{وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا} [ (3) آل عمران: 103] شبّه استظهار العبد بالله ووثوقه به والتجاؤه إليه باستمساك الواقع في مهواة مهلكة بحبل وثيق مدلّى من مكان مرتفع يأمن انقطاعه، ولها أنواع أخر مبيّنة في علم البيان.