فعلى كلّ من القارئ والمقرئ: إخلاص النّيّة، وقصد وجه الله، وأن لا يقصد بتعلّمه أو بتعليمه غرضا من الدّنيا كرئاسة أو مال. ولا يشين المقرئ إقراؤه بطمع في رفق يحصل له من بعض من يقرأ عليه، ولا التكثّر بكثرة المشتغلين عليه والمترددين إليه، ولا يكره قراءة أصحابه على غيره ويتخلّق بآداب القرآن ويقف عند حدوده وأوامره ونواهيه، ويعمل بمكارم الأخلاق المرضية من الزّهد في الدّنيا وعدم الالتفات إليها وإلى أهلها، والجود وطلاقة الوجه والسّكينة والوقار والخضوع واجتناب الضّحك وكثرة المزاح، والتّنظّف بإزالة الأوساخ والشّعر والظّفر والرّيح الكريه وتسريح اللّحية ودهنها والمحافظة على الطّهارة واتّباع الأحاديث الواردة بالأذكار وفضائل الأعمال والتّبرّي من أمراض القلوب كالحسد والرّياء والعجب والتكبر، وإن كان غيره دونه، وأن لا يرى نفسه خيرا من أحد، ويرفق بطلبته، ويرحّب بهم ويحسن إليهم بحسب حاله وحالهم، وينصحهم ما استطاع، ويتواضع لهم ويحرّضهم على التعلّم ويؤلّفهم عليه، ويعتني بمصالحهم ويصبر على بطيء الفهم ويعذر من قلّ أدبه في بعض الأحيان ويعرّفه ذلك بلطف، لئلّا يعود إلى مثله، ويعوّدهم بالتّدريج بالآداب السّنية، ويأخذهم بإعادة محفوظاتهم ويثني على من ظهرت
نجابته ما لم يخش عليه الإعجاب ويعنّف من قصّر تعنيفا لطيفا ما لم يخش تنفيره، ويقدّم في تعليمهم السّابق فالسّابق، ولا يمكّنه من إيثاره بنوبته إلّا لمصلحة شرعيّة، فإنّ الإيثار في القرب مكروه، ويتفقّد أحوالهم، ويسأل عن غائبهم، ولا يمتنع من تعليم أحد لكونه غير صحيح النّيّة، ويصون يديه حال الإقراء عن العبث وعينيه وأذنيه عن النّظر والسّمع لغير القارئ، ويقعد متطهّرا مستقبل القبلة في ثياب بيض نظيفة، وإذا وصل لموضع جلوسه صلّى ركعتين، فإن كان مسجدا تأكّد، وليكن مجلسه حسنا واسعا، ولا يذلّ العلم فيذهب إلى موضع ينسب إلى من يتعلّم منه فيعلّمه فيه ولو كان خليفة فمن دونه.
وعلى المتعلّم أن يجتنب الأسباب الشّاغلة عن العلم إلّا ما لا بدّ منه ويطهّر قلبه ويتواضع لمعلّمه وإن كان أصغر سنا منه أو أقلّ شهرة، وينقاد له ويقبل قوله كالمريض مع الطّبيب النّاصح الحاذق.
ولا يتعلّم إلّا ممّن تأهّل وظهر دينه وصيانته، فالعلم دين فانظروا عمّن تأخذون دينكم. وينظر إلى معلّمه بعين الاحترام والتّعظيم، ولا يدخل عليه بلا إذن إلّا إن كان بموضع لا يحتاج إلى استئذان، ويسلّم على الحاضرين، ويخصّه بزيادة تودّد، ويسلّم عند انصرافه أيضا، ولا يتخطى النّاس، ويجلس حيث انتهى به المجلس إلّا أن يأذن له الشّيخ في التّقدّم، ولا يقيم أحدا ويجلس موضعه، ولا يجلس وسط الحلقة، ولا بين صاحبين بغير إذنهما، ولا يغمز بعينه عند الشّيخ، ولا يقول له: قال فلان بخلاف قولك، ولا يغتاب عنده أحدا، ولا يلحّ عليه إذا كسل، ولا يشبع من طول صحبته، ويردّ غيبة شيخه إذا قدر، ولا يفارق ذلك المجلس، ويتأدّب مع رفقائه، ولا يحسد أحدا منهم، ولا يعجب بما حصّله، ولا يرفع صوته بلا حاجة عند الشّيخ، ولا يضحك، ولا يكثر الكلام، ولا يعبث بيده، ولا يلتفت بلا حاجة، بل يتوجّه إلى الشّيخ، ولا يقرأ على الشّيخ في حال ملله، ويحتمل جفوة الشّيخ وسوء خلقه، وإذا جفاه ابتدأ هو بالاعتذار وإظهار الذّنب له، وإذا صدر من الشّيخ أفعال ظاهرها منكر أوّلها ولا ينكرها.
وممّا يشترك فيه القارئ والمقرئ: الحذر من اتّخاذ القرآن معيشة يتكسّب بها، نعم يجوز عند الشّافعي ومالك أخذ الأجرة على تعليمه، وملازمة التّلاوة، والإكثار منها، ونسيانه كبيرة، وإذا أراد القراءة استاك وتوضّأ، فإن قرأ محدثا جاز بلا كراهة.
ويحرم مسّ المصحف والقراءة على الجنب والحائض، ويجوز لهما النّظر في المصحف، وإمرار القرآن على قلبيهما، ويسنّ أن يقرأ في مكان نظيف، ولا يكره في الحمّام عندنا، ولا في الطّريق، ويستقبل القبلة، ويجلس بخشوع وسكينة وحضور قلب،
ولا يكره قائما ولا مضطجعا، ويستعيذ، وأفضل ألفاظ الاستعاذة: أعوذ بالله من الشّيطان الرّجيم، ولو تعوّذ بغير ذلك أجرأه، ويتدبّر القرآن.