إذن فليس المطلوب هو مجرد"العلم"! بل إن هذا العلم ينبغي أن يحدث آثاره في حياة الإنسان ، وإلا أصبح بلا معنى ، وأصبح وجوده وعدمه سواء .
إن الصفة الكبرى التي يتصف بها أولئك العالمون بأن القرآن حق هي أنهم يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق . ولا تحدد الآية عهدًا معينًا ولا ميثاقًا معينًا ، إنما تشمل كل عهد وكل ميثاق مع الله . والعهد الأكبر هو الذي أودعه الله في الفطرة وأشهد الفطرة عليه ، وهو عبادة الله الواحد بلا شريك: ( وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا ) [ الأعراف: 172 ] .
وكذلك العهد التي تذكره سورة يس: ( أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لَّا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ ، وَأَنْ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ ) [ يس: 60 ، 61 ] .
ولا تنتهي صفة المؤمنين بأنهم هم الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق ، بل يستمر السياق فيصفهم بأوصاف جميلة أخرى: ( وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الحِسَابِ ) . ( يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ ) أي: يصلون كل ما أمر الله به أن يوصل ، لأن"ما"تفيد العموم . والتعبير بإطلاقه هكذا دون تحديد يشمل كل شيء أمر الله بوصله . وفي مقدمة كل شيء صلة الإنسان بربه بطبيعة الحال ، فهذه أول صلة أمر الله بها أن توصل: صلة العبادة الحقة لله . ويأتي بعدها صلات الإنسان بوالديه ، وصلاته بذوي قرباه ، وصلاته بالمسلمين جميعًا يحب لهم الخير ، ويحب لهم كما يحب لنفسه . وهكذا يشمل هذا التعبير الموجز كثيرًا من تصرفات الإنسان .