فهرس الكتاب

الصفحة 177 من 531

قوة هائلة تنطلق في الأرض تبني وتعمر في كل اتجاه ، راضية مطمئنة ، نشيطة وثابتة في ذات الوقت ، كما كان ذلك الجيل الفذّ الذي بدأ به تاريخ الإسلام: ينشر الدعوة في أرجاء الأرض بسرعة لا مثيل لها في التاريخ ، ويقيم العدل الرباني في كل مكان ، ويحارب الكفر والشرك والطواغيت فيسحقها وينتصر عليها ، وينشئ حضارة فذة تجمع بين الروح والمادة ، وتعمل للآخرة دون أن تنسى عمارة الأرض:

( وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ) [ القصص: 77 ] .

وتلك هي حصيلة التوحيد . حصيلة تجمع النفس البشرية في اتجاه واحد ، إلى الله .

أما الشرك فهو يشتت تلك الوحدة التي فطر الله النفس البشرية عليها ، ويمزقها .

يصلي الإنسان - إذا صلى ! - لإله . ويبيع ويشتري ويبتغي الرزق باسم إله آخر يحل له الربا ويحل له الغش والخداع بغية الربح . ويمارس شهواته باسم إله ثالث يحل له العلاقات غير المشروعة ويزيّن له الخبائث . وقد يتوجه إلى بشر مثله أو إلى صنم من الأصنام فيطلب منه البركة أو يطلب منه أن يقرّبه إلى الله زلفى .. وهكذا تتشتت نفسه في محاولة استرضاء هذه الأرباب المتعددة التي كثيرًا ما يكون لكل منها مطالب تخالف مطالب الأخرى وتعارضها .

وفي النهاية يفقد نفسه بعد أن يفقد أمنه وطمأنينته: ( ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ ) [ الزمر: 29 ] .

وأوضح مثال على ذلك تلك الجاهلية المعاصرة التي يمارسها الناس في أكثر أرجاء الأرض .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت