فهرس الكتاب

الصفحة 21 من 531

فالإنسان ذو الحس المتبلد قد يرى الماء النازل من السماء فلا يتذكر أن هذا المطر هو الذي يتحول إلى عيون وينابيع وآبار وأنهار يشرب منها . أو هو من الجانب الآخر قد يشرب الماء الذي يجده أمامه ميسرًا ، وينسى أن هذا الماء لم يوجد في الأرض من تلقاء نفسه ، بل أنزله الله له في صورة مطر ، لا ينزل إلا بقدرة الله ، وبحسب القوانين والسنن التي أودعها الله في الكون ، فأجرى بها السحاب وأنزل منه الماء . فالنص القرآني يوقظه إلى هاتين الحقيقتين في آن واحد: ( هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ ) ، كما يلفته أيضًا إلى الشجر النابت من هذا الماء ، فلا يعود المطر النازل من السماء ظاهرة مكرورة مألوفة منقطعة في حسه عن الله الذي أنزله من السماء ، إنما تصبح موصولة بقدرة الله ، فتحيا في النفس وتؤثر فيها ، بربطها بالله المنعم الوهاب .

ويستمر السياق يعرض أنواعًا من النبات الذي أشارت إليه الآية السابقة ، فيذكر الزرع بعمومه ، والزيتون والنخيل والأعناب ، ( وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ ) .

وهذه الطريقة في ذكر بعض الأنواع بالتفصيل والإشارة العامة إلى بقيتها تجعل الخيال يتحرك لتقصي ما لم يذكر بتفصيله بعد أن تتبع المذكور منه بالفعل ! وهكذا يشترك الخيال مع الوجدان في تصور المشهد ، ويعطي له حيوية جديدة فلا يعود هو المشهد المكرور المألوف الذي تبلد عليه الحس !

ثم يشير السياق إلى الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم . وكلها مشاهد مألوفة مما يتبلد عليه الحس بالتكرار ، ولكن السياق يذكر أمرًا جديدًا يغير وضعها في النفس ، ويجعلها كأنها تعرض لأول مرة ، ذلك هو قوله تعالى: ( وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت