فهرس الكتاب

الصفحة 22 من 531

فالليل والنهار والشمس والقمر والنجوم لم تعد تلك الظواهر الكونية المعتادة التي ألفها الحس ففقدت دلالتها في النفس ، إنما هي كائنات مسخرة بأمر الله . ولا شك أن هذا المعنى قد غيّر صورتها تمامًا عن الصورة المعهودة التي تبدو فيها هذه الظواهر وهذه الأجرام السماوية كأنها قائمة بذاتها ، مستقلة عن أي شيء بحركتها ! كلا ! إنها تقوم بعمل معين . تقوم بتكليف رباني كلفها الله إياه ، وإذن فحركتها الدائبة ليست حركة آلية كما يتصورها الحس المتبلد ، إنما هي حركة حية ذات غاية وهدف ، وكل جزء من هذه الحركة في ليل أو نهار هو قيام بجزء من التكليف الذي يبلغ غايته يوم يغير الله نظام هذا الكون كله في اليوم الموعود . وذلك فضلًا عن التذكير بنعمة الله في قوله تعالى: ( وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ ... ) . والملحوظ أن جو السورة كلها هو جو تذكير الإنسان بنعمة الله عليه ، لكي يتحرك وجدانه لشكر أنعم الله ، بالتوجه إليه وحده دون سواه .

ثم يخطو السياق خطوة أخرى بلفت الحسّ إلى اختلاف الألوان فيما خلقه الله على ظهر الأرض من كائنات: ( وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ) .

ونلحظ هنا كذلك نوعًا آخر من إثارة الخيال لتتبع المشهد ؛ فالآية تقول: ( وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ) ."ما"بدون تخصيص شيء بعينه ، نباتًا كان أو حيوانًا أو غيره .. فهنا ينطلق الخيال يتتبع كل ما ذرأ الله في الأرض من الأشياء المختلفة الألوان ، فتصبح هذه الأشياء حية في الوجدان ، وتتخذ صورة أخرى غير ما كانت عليه في عهد التبلد والنسيان .

ثم يقول الله سبحانه وتعالى: ( وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت