ولكن هذه النقلة على ضخامتها أيسر في حسّ الإنسان من خلق الملائكة من النور . فالطين على أي حال مادة مجسمة ، وجسم الإنسان مادة ماثلة للعيان . أما النور فإنه ليس مادة .. فكيف يكون مادة للخلق إلا أن تكون قدرة الخالق المبدع متجاوزة كل حد يستطيع العقل أن يصل إليه . فتبارك الله أحسن الخالقين .
وحين يأخذ الإنسان حظه من استشعار عظمة الله الخالق المبدع ، فإن قلبه يأنس لهذه المخلوقات ترفّ حوله وتملأ جنبات الكون .
وفرق كبير في حس الإنسان بين أن يكون هذا الكون من حوله خاويًا موحشًا وبين أن يكون عامرًا بمخلوقات حية ، بينه وبينها اختلاف .
فإذا كانت المخلوقات الحية في الأرض من نبات وحيوان - والحيوان على الأخص بما فيه من الإنسان من أوجه شبه وأوجه اختلاف - تؤنس الإنسان وتبهج قلبه ، وتنفي عنه الشعور بالوحشة في سكناه لهذه الأرض ، فيروح يتأملها ويتملاها ، ويفرح كلما لقي واحدًا منها على مقربة منه .
إذا كان هذا يحدث بالنسبة لعالم الأرض المحدود المحسوس ، فنه حري أن يحدث بالنسبة للكون الكبير ، ما يقع منه في دائرة الحس وما يقع وراء الحس من آفاق .
فإذا كانت المخلوقات الطينية تؤنس وحشته في الأرض ، فإن تلك المخلوقات النورانية تؤمس وحشته في الكون الواسع الذي هو جزء منه ، فيصبح أروح نفسًا وأكثر طلاقة مما لو حبس نفسه في دائرة المادة والحس .
ثم إن الملائكة مشغولة ليل نهار بالتسبيح للملك القدوس الواحد القهار: ( يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ ) [ الأنبياء: 20 ] .
ومن هنا نعرف أن أهم ما يقومون به تسبيح الله وتعظيمه وتنزيهه حيث هيأهم لهذا .
ألا ما أورعها صورة !
إن الإنسان يحاول أن يسبح لله فترة من النهار أو جانبًا من الليل فيفتر ولا يقوى على المضي في التسبيح ، لأن له جسدًا يريد أن يأكل وأن يشرب وأن يرتاح وينام ، ولأن له فكرًا لا يكف عن الانشغال بمطالب الحياة الدنيا .