مرة تصورته في قرص الشمس كما فعلت الجاهلية الفرعونية . ومرة تصورته في النار الملتهبة كما فعلت الجاهلية الفارسية . ومرة تصورته على هيئة بشر ذي خصائص فائقة كما فعلت الجاهلية اليونانية والجاهلية الرومانية . ومرة في القمر ، ومرة في النجم ، ومرة في صنم من الأصنام ! وهكذا اختلفت التصورات وضلّت كلها عن معرفة الله الحق ، لأنها استرشدت بخيالها وأهوائها وعلمها القاصر ، ولم تأخذ الحق من طريقه الصحيح المعتمد من عند الله ، وهو طريق الرسل الموحى إليهم بالحق .
ولا يقل عن ذلك ضلالًا ما تصورته الجاهليات المختلفة من وجود أرباب صغيرة مع رب الأرباب ، تقوم ببعض اختصاصاته سبحانه ! فإلهٌ للمطر ، وإله للبرق ، وإله للرعد ، وإله للريح ، وإله للبحر ، وإله للخصب ، وإله للنسل ، وإله لكل شأن من شئون الحياة يختص به من دون الله أو مع الله كما كان العرب يقولون في الجاهلية:
( مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى ) [ الزمر: 3 ] .
أما العبادة فقد ضلَّت مثل ضلال التصور ! وذلك أمر طبعي ! فما دام البشر لا يرجعون في أمر العبادة إلى المرجع الصحيح الذي يبصّرهم بالحق ، فسوف يضربون في التيه كما تملي لهم أهواؤهم وخيالاتهم ، أو - بالأحرى - كما يملي الشيطان عليهم لإغوائهم ، فكانت النتيجة دائمًا أنهم قدموا شعائر التعبد لغير الله ، ودعوا غير الله ، واستعانوا بغير الله ، وحرّموا وأحلّوا بغير سلطان من الله !