ويستطيع الإنسان بتحصيله الشخصي أن ينمي ما وهب الله له من مواهب . فيستطيع مثلًا أن ينمي قوته الجسدية بالرياضة البدنية والتدريب فيصبح قوي الجسم ، متين العضلات . ويستطيع أن ينمي قوته الذهنية بالتدريبات العقلية وتعلم العلم وإمعان الفكر ، فيستنبط ويكتشف ويخترع ويدبِّر ويخطط . ويستطيع أن ينمي قوته الروحية بالامتناع عن بعض لذائذ الحس ، وبالتأمل ، وبإبعاد النفس شيئًا من الوقت عن عالم الحس القريب بصورة من الصور ، فتصفو روحه ، ويكتسب طاقة روحية كبيرة .
كل هذه الأعمال هي في أصلها موهبة من الله ، وهي فيما تنتهي إليه كسب يكسبه البشر بجهد يبذلونه وتحصيل يكدون فيه ويكدحون .
أما الرسالة والنبوة فموهبة من الله ذات طبيعة مختلفة . إنه لا يدَ للإنسان فيها ولا كسب ولا اختيار ، إنما هي اصطفاء خالص من جانب الله سبحانه وتعالى لعبد من عباده ، يجتبيه وينعم عليه ويبعثه بالهداية إلى الناس .
لا يوجد عمل معين يعمله الإنسان من جانبه فيرتقي به إلى مرتبة النبوة ولو أنفق عمره كله فيه !
يستطيع الإنسان بالتدريب المستمر أن يصبح بطلًا من أبطال الرياضة إذا كان عنده استعداد جسمي معين .
ويستطيع بالتدريب المستمر أن يكون مهندسًا بارعًا أو طبيبًا نابغًا أو عالمًا مبرزًا ، إذا كان عنده الاستعداد العقلي المناسب .
ويستطيع بالتدريب المستمر أن يحصل على صفاء روحي يناسب استعداده .
ولكنه لا يستطيع بأي جهد يبذله أن يكون نبيًا ولا رسولًا . ولكن الله يصطفيه فيكون !
( اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ ) [ الحج: 75 ] .
وحقيقة إن الذين يصطفيهم الله ليكونوا رسلًا وأنبياء هم خيار الناس وأفضلهم: ( وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ ) [ صّ: 47 ] .