ولكنا نحن لا نستطيع - بمقاييسنا - أن نقول: إن فلانا من البشر يستحق النبوة أو إنه أولى بها من غيره ! ( اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ ) [ الأنعام: 124 ] .
( وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ ، أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ ) [ الزخرف: 31 ، 32 ] .
والأنبياء أنفسهم يتفاوتون في مراتبهم: ( تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ ) [ البقرة: 253 ] .
ولكن النبوة في حد ذاتها مرتبة فوق مراتب البشر العاديين . فالبشر يتفاوتون في مراتبهم ، منهم الحقير ، ومنهم العظيم . ولكنهم - في أعلى درجات عظمتهم - يقفون عند حد معين هو أدنى من مرتبة النبوة . فإذا اختار الله واحدًا من البشر الممتازين ليجعله نبيًا فإنه يرفعه من مكانه الذي كان فيه ليضعه في مرتبة جديدة عالية لم يكن ليصل إليها من ذات نفسه مهما اجتهد ، لأنه خارج الحدود التي يستطيع البشر أن يصلو إليها باجتهادهم . ويصبح منذ لحظة اصطفائه شخصية أخرى ، بشرية - نعم - في كل تصرفاتها العادية ، ولكنها مشتملة على عنصر جديد لا يُتاح للبشر العاديين ، ذلك هو الاتصال بالله عن طريق الوحي .
( وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا ) إلى قوله: ( وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ ) [ الفرقان: 7 - 20 ] .