فهرس الكتاب

الصفحة 271 من 531

فهم بشر فيما يتعلَّق بالأمور العادية ، يُولدون ويموتون ، ويأكلون الطعام ، ويسعون وراء الرزق ، ويتزوج منهم من يتزوج ويكون لهم ذرية أو لا يكون حسبما قدَّر الله لهم ، ويفرحون ويتألَّمون ، ويجري عليهم كل ما يجري على البشر في هذه الشئون . ولكنهم ينفردون بهذه الخاصية الفريدة وهي تلقي الوحي من عند الله ، وإرسالهم للناس ليبلغوهم ما أوحى الله به إليهم من الهدى والتبيان: ( وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ ) [ الأنبياء: 25 ] .

( رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ ) [ غافر: 15 ] .

كيف تتم لهم هذه الخاصية ، وكيف تكون نفوسهم ومشاعرهم حين توهب لهم القدرة على تلقي الوحي من الله ؟!

لا نستطيع نحن البشر العاديين أن نعرف ذلك يقينًا لأنها تجربة خارجة عن حدود بشريتنا ، ولكنا نستطيع القياس للتقريب .

إن الإنسان منا ليحس أحيانًا - ولو نادرًا - بشيء من الصفاء الروحي ، فيحس كأن فيضًا من النور يشع من حوله ويملأ نفسه ومشاعره ، ويحس كأنه أصبح كائنًا جديدًا غير الذي كان من قبل ، لا تثقله ثقلة الأرض ، ولا ينحبس في إطار جسده المحدود ، ولكنه يرفرف بروحه طليقًا من القيود . ويعود ينظر إلى الناس وإلى الوجود كله من حوله بنظرة جديدة وروح جديدة . فإذا بينه وبين الناس تعاطف ورحمة ، وبينه وبين الوجود مودّة وتجاوب . ويحس فوق ذلك كله أنه قريب من الله ؛ لأن مشاعره صارت أنظف وأطهر ، وشعوره بعظمة الله أكبر ، وتطلعه إلى رحمة الله أشد . كم تستغرق هذه اللحظات من حياة البشر ؟ وكم يطيقون أن يرتفعوا إليها ؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت