وليس قادرًا على الإحاطة بالأشياء كلها ، وأوضح دليل على ذلك"العلم"ذاته ، فهو يصف ما يستطيع معرفته من"ظواهر"الأشياء ولكنه لا يتعرض"لكنهها"؛ لأن"الكنه"خارج عن إدراكه ! يتحدث مثلًا عن ظواهر الكهرباء ولكنه لا يعرف ما سرها . يتحدث عن خواص المادة ولكنه لا يتحدث عن المادة ذاتها ، ولقد حللها إلى أبسط تكويناتها وهي الذرة ، ثم حلل الذرة ، فقال: إنها طاقة كهربية سالبة وموجبة ومتعادلة . وبقي السؤال الذي لا جواب له عند العلم ، ولا عند العقل: ما الطاقة ذاتها ؟! سؤال لا إجابة له إلا هذه الإجابة: إنها شيء أودعه الله في بنية هذا الكون فحسب !
فإذا كان هذا موقف العقل من الأشياء فكيف يكون هو الحكم في الغيبيات التي لا سبيل له إلى إدراكها ، وفي الأمور التي يحتاج الحكم فيها إلى الإحاطة الكاملة بكل شيء ؟!
3-على أن هذا الإنسان الجاهلي حين يقول هذه القولة الضالة يغفل عن شيء آخر شديد الأهمية ( أو هو يغالط فيه في الحقيقة ) ، وهو أن الذي يتحكم في حياة الناس في الجاهلية ليس هو العقل في الحقيقة ولكنه الهوى والشهوات ، سواء كان هوى فرد واحد أو مجموعة من الأفراد أو هوى كل الناس !
والجاهلية المعاصرة أوضح نموذج لذلك .
وإلا فأين مكان"العقل"عند الناس في الفوضى الخلقية المتفشية في أرجاء الأرض ، وكل تجارب التاريخ تؤكد أنه ما من أمة فشت فيها الفوضى الخلقية إلا كان مصيرها إلى الانهيار ؟!
وأين العقل عند الدول الكبرى وهي تنفق على أسلحة الدمار ما لو أنفقته في شئون السلم ما بقي في الأرض كلها جائع واحد ولا محتاج ؟!
وأين ذهب العقل عن"الإنسان"كله في هذه الجاهلية ، وهو يرى نتيجة بعده عن الله: الاضطراب والحيرة والأمراض النفسية والعصبية والقلق والجنون والضياع ، ومع ذلك يصر على المضي في طريق الغواية ويتنكب طريق الله ؟!