كلا ! إنه ليس العقل هو الذي يتحكم في حياة الناس في الجاهلية ، ولكنه الهوى والشهوات .. ثم يزعم الإنسان لنفسه أنه في غنى عن هداية الله !
على أن الجاهلية المعاصرة - وإن كانت أسوأ جاهليات التاريخ وأشدها عتوًا - ليست هي النموذج الوحيد لضلال البشرية حين تبعد عن هداية الله . والتاريخ مليء بالنماذج الصارخة على ذلك الضلال .
ففي الجاهلية الفرعونية كان الفرعون - وهو بشر يولد من أبوين بشريين - يعد إلهًا ! وتصل به الجرأة على الله أن يقول على ملأ من الناس: ( أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى ) ! ويعبده الناس ويتقدمون له بشعائر العبادة !
وفي الجاهلية الهندية تعد البقرة إلهًا ! ويتبرك الناس بالاستحمام من بولها المقدس !
وفي الجاهلية العربية - وغيرها - كانوا يعبدون أصنامًا ينحتونها بأيديهم ثم يقدمون إليها القرابين والصلوات !
وبالإضافة إلى هذه الضلالات التي تقع فيها الجاهليات فهنالك لون آخر من الشرك تقع فيه كل جاهلية حين لا تتحاكم إلى شريعة الله .
فحين لا يكون شرع الله هو المتبع فلا بد أن يشرِّع البشر لأنفسهم ، وعندئذ يصبح بعض الناس أربابًا لبقية الناس . فالذين يشرِّعون من دون الله ويحلون ويحرمون على هواهم يتخذون من أنفسهم أربابًا في الواقع ، ويستعبدون الناس بسلطانهم ويخضعونهم لأهوائهم . والآخرون عبيد لهذه الأرباب ، ينفذون إرادتها ولا يملكون مخالفتها ، لأنها تملك السلطة التي تخضعهم بها . ومن هنا يصبح الإنسان عبدًا لبشر مثله ، بدلًا من أن يكون على وضعه الكريم الذي كرمه به الله: عبدًا لله وحده دون شريك .