فهرس الكتاب

الصفحة 299 من 531

ما سمعنا - في غير القلة المؤمنة من قواد التاريخ - أن أحدًا منهم قام من أجل مثل أعلى يريد إقراره في الأرض ، أو قيمة عليا يجاهد من أجلها ، ليرفع من نفوس البشر ويقربهم إلى مستوى الإنسانية ! إنما الذي يغلب عليهم هو شهوة الفتح وزهو الغلبة والمطامع الأرضية المتمثلة في توسيع الرقعة وزيادة الثروة على حساب المغلوبين و"وويل للمغلوب"! كما قال واحد ممن يحسبون قادة في التاريخ (1) ، لأن الحرب ليست لها أخلاق ! ولا قانون يحكمها إلا قانون الغاب: القوي يأكل الضعيف !

لذلك تبحث عن آثارهم الباقية في التاريخ فلا ترى إلا بعض البطولات الفردية في القتال ، ولكن لا تجد قيمًا باقية . وحتى الإمبراطوريات الضخمة التي يكونونها على عهدهم سرعان ما تتفسخ وتنطوي لأنها لا تمثل"قيمًا"إنسانية ، إنما تمثل شهوات بشرية فحسب !

وانظر سير"المصلحين"الاجتماعيين ... كيف يصلحون ؟ وما آثارهم الباقية في التاريخ ؟

أغلبهم - فيما عدا القلة المؤمنة المهتدية بهدي الله - ذوو نظرات جزئية ، تتفق مع جزئية التفكير البشري وعدم قدرته على الإحاطة ، فضلًا عن الجهل الأصيل بطبيعة النفس البشرية ودروبها ومنحنياتها ، وما يصلحها وما يصلح لها !

أغلبهم يتناولون مشاكل اجتماعية جزئية يجدونها قائمة في مجتمعاتهم دون أن يتعمقوا إلى الأصول التي تنشأ عنها المشكلات ، ثم يحلونها حلولًا جزئية كذلك بغير تقويم شامل لنفوس البشر ذاتها التي ينشأ من انحرافها ما نشأ من خلل في تلك المجتمعات . فضلًا عن التعسف في معالجة الأمور في كثير من الأحيان لما رُكِّب في طبع الإنسان من عجلة: ( خُلِقَ الْأِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ ) [ الأنبياء: 37 ] . ولرغبته في أن يرى الثمرة السريعة في عمره المحدود .

(1) هو الإمبراطور"غليوم"إمبراطور ألمانيا وأحد قادتها العسكريين .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت