ثم يرتّبون على هذه الاستحالة تصورًا آخر خاطئًا ، فيقولون: إنه إذا كان الله يريد فعلًا أن يصنع هذه العجيبة الخارقة وهي تنزيل الوحي ، فلا بد أن يكون كل ما يتعلق بهذه الظاهرة عجيبًا وخارجًا عن تصور البشر . ومن ثم فلا يجوز - في نظرهم - أن يتنزل هذا الوحي على واحد من البشر لأن الكيان البشري شيء عادي ومألوف ، فلا يتناسب معه ذلك الشيء غير المألوف وهو الوحي ! إنما الذي يتناسب معه - في وهمهم - هو عجيبة أخرى خارقة ، هي نزول ملك من السماء يتنزل عليه الوحي ، أو - في القليل - يكون مع الرسول الذي يتنزل عليه الوحي ( فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ(1) مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ ) [ المؤمنون: 24 ] .
( وَقَالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ ) [ الأنعام: 8 ] .
( وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا ) [ الفرقان: 7 ] .
وهكذا نرى ضلال الجاهليات من خلال تصوراتها الضالة عن قدرة الله وحدود الطاقة البشرية ، يعميها عن حكمة إرسال الرسل من البشر دون الملائكة .. ولو قدروا الله حق قدره وعرفوا أن قدرة الله ليست محدودة بحدود تصورهم الضيق ، وإنما هي قدرة بغير حدود: ( إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) [ النور: 45 ] .
(1) قوم نوح عليه السلام .