يغفل هؤلاء وهؤلاء عن الحقيقة ، وهي أن الله سبحانه وتعالى هو الذي ينزل المطر في الحقيقة ، بمشيئته وقدره ، وبالسُّنَّة التي أودعها في الكون لتؤدي إلى تحقيق مشيئة الله وقدره . فإذا كان بخار الماء يتثاقل حين يبرد السحاب في طبقات الجو العليا ، أو حين يصطدم السحاب بجبل مرتفع ، فلا يعود الهواء قادرًا على حمله ، فينزل في صورة مطر .. فمن الذي صنع ذلك كله ؟ من الذي جعل هذا من طبيعة بخار الماء ؟ ترى لو أن الله لم يودع بخار الماء هذه الخصائص أكان المطر ينزل من تلقاء نفسه حين يتكاثف ؟! وإذا كان إلقاء بعض المواد على السحاب بالطائرات يؤدي ذات الهدف فيجعل بخار الماء يبرد فيتكاثف فيثقل فينزل في الصورة التي يسمونها"المطر الصناعي"! فهل كانت طائرات الأرض كلها ، والبشر جميعًا يقدرون على شيء من ذلك لو لم يسخر الله الماء لينزل من السماء إلى الأرض بحسب سنن معينة أودعها فيه (1) ؟!
ومرة أخرى يلفت القرآن الحسّ إلى جانب آخر من المسألة ، فإن المطر ينزل في صورة ماء عذب سائغ للشراب ، فيظن الحسّ الغافل أنه ينزل على هذه الصورة من تلقاء نفسه ! فيذكِّره القرآن بالحقيقة ، إن الله هو الذي أنزله في صورته العذبة تلك رحمة منه بخلقه ، وإنه لو شاء لجعله مالحًا شديد الملوحة لا يصلح للشرب ولا لتنمية النبات . أفلا يستحق الله الشكر على نعمته تلك ؟
(1) عن زيد بن خالد الجهني أنه قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح بالحديبية على أثر سماء كانت من الليل . فلما انصرف أقبل على الناس فقال:"هل تدرون ماذا قال ربكم"؟ قالوا: الله ورسوله أعلم . قال:"قال: أصبح من عبادي مؤمن وكافر ، فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي وكافر بالكواكب ، وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا فذلك كافر بي مؤمن بالكواكب"رواه البخاري .