فهرس الكتاب

الصفحة 33 من 531

إن الإنسان يحرث الأرض ويلقي البذور فيها فيخيل إليه أنه هو الذي زرع ! أي أنه هو الذي أنبت الزرع ! فهل حقيقة هو الذي يصنع ذلك ؟ وهل هناك قوة في الوجود كله - إلا القدرة الربانية المعجزة - تستطيع أن تحرك البذرة للنمو ، وتخرج منها ذلك الزرع المختلف الألوان والأشكال والطعوم ؟ ترى لو أن الله لم يودع هذه البذرة سر الحياة ، هل كان أهل الأرض جميعًا يستطيعون أن يحركوها من مكمنها لتنمو وتثمر ؟! من أجل يقول الله سبحانه وتعالى: ( أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ ) ؟ ثم يلفت الحسّ إلى جانب آخر من المسألة يغفل عنه الإنسان حين يتبلد حسه على المشهد المكرور ، فينسى ما فيه من إعجاز الله القدير ، إن الإنسان تعود أن يرى الزرع ناميًا ينتقل من مرحلة إلى مرحلة حتى تطلع الثمرة ، فيظن - في غفلته - أن الأمور تسير هكذا من تلقاء ذاتها . وأنه لا بد حين يضع البذرة أن تنمو حتى تخرج له الثمرة ، وينسى أن الله هو الذي يخرجها له ، من أجل ذلك يقول الله له: ( لَوْ نَشَاء لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ ، إِنَّا لَمُغْرَمُونَ ، بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ ) ! فلو شاء الله لم ينبته أصلًا ، ولو شاء كذلك أنبته ثم جعله حطامًا دون أن يثمر ! ولو حدث ذلك لظللتم تقبلون القول بينكم ، تقولون: غرمنا جهدنا ومالنا ولم يثمر الزرع ، أو تقولون: وقع علينا الحرمان !

والإنسان يرى الماء نازلًا من السماء ولكنه يغفل - حين يتبلَّد حسُّه - عن أن الله هو الذي أنزله ، فيتوهم أنه ينزل هكذا من تلقاء نفسه ، أو قد يصيبه الغرور كما وقع من الإنسان المعاصر الذي يعيش في الجاهلية الحديثة المسيطرة على الناس في أوربا مع كل ما عندهم من التقدم المادي ، فيظن أنه هو الذي ينزل المطر من المساء ؛ لأنه استطاع أحيانًا أن يلقي مواد معينة بالطائرات فوق السحب فيسقط المطر !

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت