ثم يقرر الحقيقة التي تلخص الموقف تلخيصًا حاسمًا: ( الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ(1) أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ ) وليس الأمن المقصود هو السلامة من الأذى في الحياة الدنيا . إنما هو السلامةُ من عذاب الله في الآخرة مع الاطمئنان إلى قَدَرِ الله في الحياةِ الدُّنيا ، وأنّ كلَّ ما يصيبُ المؤمنَ هُوَ خَيرٌ له (2) .
وتلك هي بلاغة الحجة التي منّ الله بها على إبراهيم في محاجته لقومه ، نراها مع سرعة البديهة في موقف آخر في مناقشة"النمرود"وهو الطاغية الجبار الذي كان يحكم الأرض التي يعيش فيها إبراهيم .
( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ) [ البقرة: 258 ] .
على أن الأمر لم ينته بين إبراهيم وقومه بتلك المحاجة التي وقعت بينهم وبينه . فقد اعتزم إبراهيم أن يقتلع الشرك بيديه ، فعمد إلى تلك الأصنام التي يصرون على عبادتها ، فحطمها في غفلة من القوم !
(1) الظلم المقصود هنا هو الشرك ، وبيان ذلك قوله تعالى في سورة لقمان: ( وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لاِبْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ) [ لقمان: 13 ] .
(2) عن صهيب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"عجبًا لأمر المؤمن إن أمره كله لهُ خيرٌ وليس ذلك لأحدٍ إلا للمؤمن ، إن أصابَتَهُ سَرَّاء شَكَرَ فكان خيرًا له وإن أصابته ضَرَاء صَبَرَ فكانَ خيرًا له". رواه مسلم .