أمَّا الغافل المتبلّد الحسّ فيمر بهذه الأحداث ، سواء منها الأحداث الكونية أو الأحداث التي تقع في محيط البشر ، دون أن يتنبَّه من غفلته ، ودون أن يتيقَّظ لما فيها من دلالة على وجود الله ، وتفردّه بالملك في هذا الكون ، وتفردّه بتدبير الأمر كله ، ومن ثم تمر به الأحداث وهو سادر في غفلته لا يفيق !
ويجيء القرآن فيهزه من غفلته هزاًّ ليطلع على الحقيقة الكامنة وراء الأحداث ! وكما يُعالج القرآن آيات الله في الكون ، وظاهرة الموت والحياة ، وجريان الرزق ، فيحيلها جديدة حية كأنما يتلقاها الإنسان لأول مرة ، كذلك يعالج أمر الأحداث الجارية بما يزيل عن النفس غشاوتها ، ويزيل عن المشاعر تبلدها ، فينفعل الوجدان ويتأثر ، ويتيقظ القلب ويستشعر .
( إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ) [ البقرة: 164 ] .
في هذه الآية الواحدة يلفت القرآن الحسّ البشري إلى مجموعة كبيرة من الأحداث الكونية التي يمر بها الإنسان الغافل دون تنبّه إلى دلالتها ، بحكم الإلف والعادة . ولكن القرآن يوقظ هذا الحسّ المتبلّد ليرى هذه الآيات الكونية ويدرك أنها لا يمكن أن تحدث من تلقاء نفسها ، ولكنّ وراءها تدبيرًا وحكمة .
وإذا تدبرنا الآية نجد أن القرآن يصل إلى الغاية المقصودة - وهي إيقاظ الحس المتبلد - بطريقتين في آن واحد: