الأولى: هي حشد عدد كبير من الأحداث الجارية في معرض واحد ، فهناك السماوات والأرض ، وهناك اختلاف الليل والنهار ( بمعنى تعاقبهما المستمر ، وبمعنى اختلاف طولهما على مدار الفصول ) ، وهناك جريان السفن في البحر ، وهناك المطر النازل من السماء ، والحياة النابتة في الأرض ، والدواب المنبثة في أرجائها ، وهناك تصريف الرياح ، وهناك جريان السحاب المعلق بين السماء والأرض ... وهذا الحشد ذاته يوقظ الحسّ . فقد يتبلّد هذا الحسّ فلا يلتفت لتلك الأحداث الجارية وهي فرادى ، كل منها يقع على حدة في وقت منفصل عن الآخر ، ولكنها حين تُحشَد هكذا وتُعْرَض بهذا التوالي وبذلك التجمع فإن الحس لا بد أن يستيقظ ، وهو يتتبّعها بخياله واحدة إثر الأخرى ، فلا يجد فرصة يغفل فيها أو يستنيم ، وهي تلاحقه بهذه السرعة ، لا يكاد ينتهي من تتبع واحدة حتى تكون الأخرى قد لحقته !
والثانية: هي ربط الوجدان بهذه الأحداث عن طريق لفت الحسّ إلى الحركة الدائبة في هذا الكون . فالمشهد الثابت الذي لا يتحرك قد يسهل على الحس أن يتعود عليه فيتبلّد ولا يعود المشهد يثيره . أما الحركة المستمرة فلا يمكن للحس أن يتبلد إزاءها ، ولا بد أن يلتفت ويتيقّظ .