فهرس الكتاب

الصفحة 39 من 531

فالآية تبدأ بخلق السماوات والأرض ، وهو حدث قديم لم يشهده الإنسان ولكنه يرى آثاره ماثلة أمامه . ولكن السياق القرآني لا يدع صورة الخلق ساكنة أمام الحس بل يحرك الصورة بتحريك مفرداتها . فالليل والنهار يدوران ويختلف طولهما في أثناء تعاقبهما المستمر ، والفلك تجري في البحر بما ينفع الناس ، والماء النازل من السماء يتسم بالحركة كذلك ، وهي حركة النزول نحو الأرض . ولكن الحركة لا تنتهي هنا ، فمن هذا المطر النازل يخرج النبات الحي من الأرض التي كانت مجدبة من قبل ، والتعبير القرآني يقول: ( فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا ) فيصور الأرض كانت ميتة فتحركت بالحياة بعد نزول المطر ، كما يقول في سورة الحج: ( وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ) [ الحج: 5 ] ، ولكن الحركة لا تنتهي هنا كذلك ؛ بل تستمر لتصور الدواب جاءت تسعى تأكل النبات الذي أخرجته الأرض بالمطر ، والتعبير القرآني يقول: ( وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ ) والبث حركة في جميع الاتجاهات في وقت واحد . ثم يجيء ذكر الرياح وهي متحركة بطبيعة الحال ، فإنها لا تسمى رياحًا إلا إذا تحركت حركة شديدة مموسة . وأخيرًا يذكر السحاب متحركًا كذلك مسخرًا بين السماء والأرض ، وهكذا تشمل الحركة كل الكائنات ، ويتملاها الحسّ في حركتها الدائبة فينفعل بها ويتحرك معها .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت