فأما اليهود فقد كانوا - حتى في حياة موسى عليه السلام - قومًا ماديين . عبدوا العجل الذهب ، وظلوا من بعدها يعبدون المال ويتفننون في تحصيله عن طريق الحرام ، بأكل الربا ، وأكل أموال الناس بالباطل: ( ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ ) [ آل عمران: 75 ] (1) .
ووصلوا إلى درجة من قساوة القلب وصفها الله في هذه الآية: ( ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ) [ البقرة: 74 ] .
فأرسل الله إليهم عيسى عليه السلام ليردهم إلى الصورة السوية التي يرضى عنها الله ، فيتركوا ماديتهم الهابطة ، وتلين قلوبهم بدلًا من قسوتها ، ويستشعروا تقوى الله وخشيته ، فيكفوا عن جرائمهم الوبيلة التي لطخت تاريخهم كله .. لذلك جاء عيسى عليه السلام يحدثهم عن ملكوت الرب ، ويقول لهم: من أراد ملكوت الرب فليترك ماله وأولاده وليتبعني . ويحدثهم عن الروح وصفائها ، وعن رفعة الإنسان بالجانب المعنوي منه:"ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان".
لكنهم من أجل ذلك كرهوه !
إنهم يريدون أن يظلوا في الدنس الذي يعيشون فيه ولا يريدون أن يرتفعوا عنه بحال من الأحوال . لذلك كذبوا عيسى وحرضوا على صلبه:
(1) ما زال اليهود يعتبرون كل البشر غيرهم أميين ! أو أمميين بتعبيرهم ! ويعتبرون أموال البشرية كلها حلالًا لهم ولو حصلوا عليها بكل الطرق غير المشروعة .