لقد كان سمته ، حتى في شبابه الباكر صلى اله عليه وسلم ، سمت الرجل الوقور العميق التفكير ، ومشاعره مشاعر"الإنسان".
ولقد كانت الجاهلية تعج بالمفاسد واللهو وتفاهة الفراغ ، وإن لم تخلُ من رجال هنا وهناك لهم هيبة ووقار وجد . ولكن هذا الأمر كله كان نادرًا شديد الندرة بين الشباب . والشاب الذي لا يلهو في الجاهلية يكون عجيبًا ! فإذا أضاف إلى جده ووقاره أنه لا يغشى مجالس الشراب التي يغشاها حتى الشيوخ من ذوي الوقار ! ولا يقارف شهوات الجاهلية وإن كانت مباحة لا حجر عليها ولا إنكار من أحد ! ولا يذهب إلى تلك الأصنام المنصوبة إلى جوار الكعبة ، وإن كانت موضع العبادة والتقديس من الجميع ! ويتعفف عن الظلم في تلك الجاهلية التي يقول شاعرها:
ومن لم يَذُدْ عن حوضه بسلاحِهِ يُهّدَّمْ ومَنْ لا يَظلم الناس يُظلمِ !
إذا أضاف ذلك وغيره من الصفات الكريمة النادرة إلى الوقار والجد في سن الشباب ، فلا شك أنه يلفت نظر كل من حوله ، لأن أحدًا من الشيوخ أنفسهم لا يتوافر فيه ذلك فضلًا عن الشباب .
ثم إن صفةً من صفاته صلى الله عليه وسلم كانت من البروز والعمق حتى إنها لفتت نظر قريش كلها ، تلك هي لأمانة ، حتى لقبوه بالأمين ، وكان الناس يودعون لديه أماناتهم لشدة اطمئنانهم وثقتهم في أمانته . كما بدا صدقه وأمانته حين عمل بالتجارة مع عمه أبي طالب ، بينما التجارة في الجاهلية لا تخلوا من الجشع ولا تخلو من الخداع !
ولقد كان صمته في مجالس قريش ، مع حكمته ورجاحة عقلة حين يتكلم ، مثار إعجاب قريش كلها وموضع تقديرها واحترامها ، حتى كانوا يستشيرونه في أمورهم كما يُستشار الشيخ المحنك ، ويرضون بحكومته فيما يحتكمون إليه من أمور .