فهرس الكتاب

الصفحة 394 من 531

على أن عظمة الرسول صلى الله عليه وسلم لا تكمن في اجتماع هذه الشخوص المتعددة في شخصه الكريم فحسب .. بل هناك درجة أعلى من العظمة ، هي أن هذه الجوانب كلها لم يشغله واحد فيها عن الآخر ! فعمل القائد السياسي لم يشغله عن عمل القائد الحربي ، ولا عن عمل المصلح الاجتماعي ، ولا المصلح الأخلاقي ، ولا عن عمل المربي ، ولا عن عمل العابد .. بل لم يشغله ذلك كله عن أسرته وزوجاته وبناته ، فكان نعم الزوج ، ونعم الأب ، ولو أن إنسانًا تفرغ فقط لمطالب أسرة في حجم أسرة الرسول صلى الله عليه وسلم فعدل فيها عدله وأعطاها ما أعطى الرسول أسرته من الرعاية والحب ، ألا نقول: إنه إنسان عظيم ! فكيف إذا كانت هذه الأمور كلها لا يلهيه جانب منها عن الجوانب الأخرى ، وهي تنوء بالمختصين فيها ، المنقطعين عن الجوانب الأخرى ؟

كان يتعبد حتى تتورم قدماه صلى الله عليه وسلم ، وحتى تشفق عليه عائشة رضي الله عنها من الجهد ، فتقول له: هوِّن على نفسك فقد غفر لك الله من ذنبك ما تقدَّم وما تأخر ، فيقول لها صلى الله عليه وسلم:"أفلا أكون عبدًا شكورًا ؟!".

ومع هذه العبادة التي يعجز عنها المنقطعون لها وحدها ، فهل طغى هذا التعبد على مهامه الأخرى صلى الله عليه وسلم ، فلم يعط القيادة السياسية حقها ، أو التربية الخلقية ، أو تربية المقاتلين في سبيل الله ، أو تربية أولئك الأفذاذ الذين كانوا قادة التاريخ في كل ميدان ، كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي وخالد وعكرمة ، وأسماء وسميّة .. ومئات غيرهم من الصحابة رضوان الله عليهم ؟!

كلا ! وإنها لعظمات بعضها فوق بعض ، تجتمع كلها في شخصه الكريم ..

فإذا قسنا هذه الشخصية الفذة بالأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم ، فنحن على ذات المستوى من العظمات .

إن شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم وحياته وسيرته قد جمعت ما تفرق في الأنبياء الآخرين مما تميزوا به .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت