على أن عظمة الرسول صلى الله عليه وسلم لا تكمن في اجتماع هذه الشخوص المتعددة في شخصه الكريم فحسب .. بل هناك درجة أعلى من العظمة ، هي أن هذه الجوانب كلها لم يشغله واحد فيها عن الآخر ! فعمل القائد السياسي لم يشغله عن عمل القائد الحربي ، ولا عن عمل المصلح الاجتماعي ، ولا المصلح الأخلاقي ، ولا عن عمل المربي ، ولا عن عمل العابد .. بل لم يشغله ذلك كله عن أسرته وزوجاته وبناته ، فكان نعم الزوج ، ونعم الأب ، ولو أن إنسانًا تفرغ فقط لمطالب أسرة في حجم أسرة الرسول صلى الله عليه وسلم فعدل فيها عدله وأعطاها ما أعطى الرسول أسرته من الرعاية والحب ، ألا نقول: إنه إنسان عظيم ! فكيف إذا كانت هذه الأمور كلها لا يلهيه جانب منها عن الجوانب الأخرى ، وهي تنوء بالمختصين فيها ، المنقطعين عن الجوانب الأخرى ؟
كان يتعبد حتى تتورم قدماه صلى الله عليه وسلم ، وحتى تشفق عليه عائشة رضي الله عنها من الجهد ، فتقول له: هوِّن على نفسك فقد غفر لك الله من ذنبك ما تقدَّم وما تأخر ، فيقول لها صلى الله عليه وسلم:"أفلا أكون عبدًا شكورًا ؟!".
ومع هذه العبادة التي يعجز عنها المنقطعون لها وحدها ، فهل طغى هذا التعبد على مهامه الأخرى صلى الله عليه وسلم ، فلم يعط القيادة السياسية حقها ، أو التربية الخلقية ، أو تربية المقاتلين في سبيل الله ، أو تربية أولئك الأفذاذ الذين كانوا قادة التاريخ في كل ميدان ، كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي وخالد وعكرمة ، وأسماء وسميّة .. ومئات غيرهم من الصحابة رضوان الله عليهم ؟!
كلا ! وإنها لعظمات بعضها فوق بعض ، تجتمع كلها في شخصه الكريم ..
فإذا قسنا هذه الشخصية الفذة بالأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم ، فنحن على ذات المستوى من العظمات .
إن شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم وحياته وسيرته قد جمعت ما تفرق في الأنبياء الآخرين مما تميزوا به .