قضية الألوهية ، قضية الرسالة ، قضية الوحي ، قضية البعث - وهي كلها من أركان الإيمان الأساسية - لم يطلب القرآن التسليم بها بلا دليل ! إنما قال للناس: فكروا وتدبروا ثم اسألوا أنفسكم بعد التفكر والتدبر ، أإلهٌ مع الله ؟! أيعجز الله عن إرسال الرسل وتنزيل الوحي وإحياء الموتى ومحاسبتهم ؟! فإذا كان الجواب الذي يصل إليه العقل هو النفي ، فقد وجب الإيمان إذن ووجب التصديق .
وليس معنى ذلك أن العقل البشري يستطيع أن يحيط علمًا بكل شيء ، فإن له حدودًا لا يستطيع أن يتجاوزها مهما حاول . ولكن المعنى أن الإسلام قد دعا العقل البشري أن يعمل فيما هو متاح له ، ليصل إلى اليقين في تلك الحقائق الرئيسة الكبرى التي تكوّن أساس الإيمان ، وأن الإسلام قد تفرد بهذا بين الرسالات .
على أن المنهج الفكري الذي تتميز به هذه الدعوة الإسلامية لا ينحصر فيما يتعلق بأمور العقيدة ، بل يمتد فيشمل ميادين أخرى .
فإذا كان القرآن قد طالب العقل البشري بأن يتدبر آيات الله في الكون ليتعرف على الخالق الذي له ملك السماوات والأرض وهو على كل شيء قدير ، فقد طالبه كذلك بالتفكر في تلك الآيات ليتعرف على السنن الربانية التي تحكم سير هذا الكون ، ليتمكن من استخدام ما سخر الله له في هذا الكون من طاقات: ( وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ ) [ الجاثية: 13 ] .
( وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا ) [ الإسراء: 12 ] .
( يَسْأَلونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ ) [ البقرة: 189 ] .
"لَقَدْ جَعَلَ اللهُ لِكُلِّ داءٍ دواءً فإذا مَرِضْتُمُ فَتَدَاوَوْا ..." (1) .
(1) رواه مسلم .