في كلمة موجزة نستطيع أن نقول: إن الإعجاز في التشريع يتضح - بغير جهد - من مراجعة التشريعات التي صنعها الشر لأنفسهم خلال ما يقرب من ثلاثين قرنًا من الزمان ، أي منذ وجدت كتابات تاريخية محفوظة يمكن الرجوع إليها إلى لحظتنا الراهنة .
ولكنا نركز على التشريعات القائمة اليوم باعتبارها أنضج ما أخرجت البشرية من التشريعات في تاريخها كله ، بالنسبة إلى الزيادة الهائلة الحاصلة في معلومات البشر ، والتقدم العلمي والمادي الهائل ، والاستفادة من خبرات القرون السابقة جميعًا . فماذا نرى ؟
انقسم العالم في يوم من الأيام إلى معسكرين متميزين: المعسكر الرأسمالي في الغرب ، والمعسكر الشيوعي في الشرق ، ولكل منهما تشريع يخالف الآخر . فماذا نجد في كل من المعسكرين ؟
1-نجد بادئ ذي بدء أن كلا المعسكرين قد ذكر العقيدة في دستوره ، ولكن يا له من ذكر ! .. فأما الدستور السوفييتي فيقول:"لا إله ! والكون مادة !". وأما الدساتير الغربية فتنص على حرية التدين ، أي أن الدين مزاج شخصي لا دخل للدولة به ، فمن شاء أن يكفر فله الحرية الكاملة في أن يفعل ذلك .
وبعبارة أخرى: فإن كلا المعسكرين - على اختلاف في الدرجة والأسلوب - قد رفض أن يقرر عبودية الإنسان الخالصة لله .
وقد يبدو لأول وهلة أن هذه مسألة لا علاقة لها بالتشريع ، لأنها مسألة عقدية بحتة .. ولكن الواقع أن لها صلة أساسية بالتشريع . لأنه حين لا يكون الله هو المشرع ، لأنه ليس هو المعبود ، فلا بد من جهة ما تكون هي مصدر التشريع . وهذا هو الواقع الذي تنص عليه تلك الدساتير .
فالدساتير الغربية تقول - نظريًا - إن الأمة هي مصدر التشريع ، الحقيقة أن الطبقة الرأسمالية هي التي تشرع ، والدستور السوفييتي يقول - نظريًا كذلك - إن دكتاتورية الطبقة العاملة هي مصدر التشريع ، والحقيقة أن الحزب الشيوعي الحاكم هو الذي يشرع .