أما الفرد فهو يعمل وينتج . ولكن لأي هدف ؟ ليحصل على أكبر قدر يستطيع الحصول عليه من المال ، ثم ينفق هذا المال في الحصول على أكبر قدر من المتاع ، يستوي في حسه أن يكون من المتاع الحلال أو الحرام ! بل إن فكرة الحرام لا تخطر على باله في سبيل الجد ! فالأصل عنده هو الاستمتاع ، قبل أن تفوت الفرصة التي إن مضت لا تعود ! فما معنى الحرام في حسه ؟! إنه ليس إلا قيدًا على المتاع ! وهو قيد - في نظره - غير معقول ولا موجب له ، لأنه يضيّع الفرص المحدودة التي لن تعود !
لذلك أيضًا فإن قيد الأخلاق وقيد الضمير وقيد المشاعر الإنسانية كلها قيود غير معقولة ، كقيد الحرام سواء بسواء ! ومن ثم تفسد الأخلاق في الجاهلية ، ويضعف وازع الضمير وتحل المصلحة محله . أما المشاعر الإنسانية والقيم العليا فتُعدّ سخفًا وسذاجة لا تليق بإنسان عاقل ، إذا هي فوتت عليه فرصة للمتاع !
أما الأمم والجماعات فقصتها لا تختلف كثيرًا عن قصة الفرد .
فلأي شيء تعمل ولأي شيء تعيش حين لا تؤمن باليوم الآخر ؟
كل جماعة همها الحصول على أكبر قدر من المتاع ( أو المزايا بتعبيرهم ! ) على حساب جماعة أخرى ! وكل أمة همها أن تتغلب على أمة أخرى لتسلبها حظها من المتاع وتأخذه لنفسها فتنشأ من ذلك الصراعات والحروب .
وأين القيم العليا ؟ وأين حقوق الإنسان ؟ وأين الضمير العالمي ؟ وأين العهود والمواثيق ؟ وأين التعاون في سبيل الخير ؟ وأين العدل ؟ وأين الإخاء والمساواة ؟
إنها كلها - في الجاهلية - ألفاظ ! يلوكها الناس نفاقًا ورياء ، فإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم ، إنما نحن مستهزئون ! لأنها كلها معوقات عن المتاع في الفرصة الوحيدة المتاحة للمتاع !