فقد قالت طائفة ( الجبرية ) : إنه ما دام كل شيء يتم بقدر الله ، ولا يتم إلا به ، فكل ما يقع من الإنسان من عمل هو مقدر عليه بحيث لا يملك إلا أنْ يعمله . فإرادته إذن منتفية فلا مجال لمحاسبته على ما يفعل .
والسلف الصالح لم يفهم قط من عقيدة القدر هذا الفهم الخاطئ الذي يلغي مسئولية الإنسان عن عمله .
لقد فهم المسلمون من درس أحد أن ما وقع لهم كان مقدرًا لهم من عند الله ، ولكنه كان في ذات الوقت من عند أنفسهم بسبب معصيتهم للرسول صلى الله عليه وسلم: ( أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ، وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ ) [ آل عمران: 165 ، 166 ] .
فلا تعارض في حسِّ المؤمن الصحيح بين الإيمان بقدر الله وتحمل الإنسان مسئولية عمله وتعرضه للحساب عليه .
وإن الاحتجاج بالقدر على الكفر أو المعصية أو العجز والقعود عن العمل ليس هو السبيل الصحيح للمؤمنين . إنما يندد القرآن بالمشركين لأنهم قالوا مثل هذا تبريرًا لكفرهم .
( وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ ) [ النحل: 35 ] .