لنفرض جدلًا أنه كان مع الله آلهة أخرى فكيف يكون الموقف ؟
( إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ ) .
في الفقرة السابقة في آية سورة"الأنبياء"كان يعرض أمر الفساد الذي كان لا بد أن يحدث في السماوات والأرض لو كان فيهما آلهة إلا الله: ( لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا ) .
وما دام هذا الفساد غير حادث ، والكون منضبط في حركته كما نرى ، فقد انتفى إذًا وجود آلهة غير الله .
وفي هذه الآية من سورة"المؤمنون"يعرض الأمر من الوجهة الأخرى ، وجهة الآلهة ذاتهم - لو أنهم أكثر من إله واحد - وما كان لا بد أن يحدث بينهم من صراع ونزاع: ( إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ ) .
فإذا كان إله خلق جزءًا من الخلق فهل يعقل أن يتنازل عن خلقه لإله آخر ؟ أم المعقول والبدهي أن يتشبث بخلقه ويستحوذ عليهم ويحاول أن تكون له السيطرة عليهم وحده ؟ وعندئذ ماذا يحدث ؟! يحدث نزاع بيم الآلهة المزعومة على السيطرة ! هذا يريد أن يسيطر وهذا يريد أن يسيطر ! كل منهم يريد أن تكون له وحدة الكلمة النافذة في الكون ويكون أمره هو المطاع ! هذا يصدر أمرًا ويطلب تنفيذه ، وذاك يصدر أمرًا مضادّا ويطلب تنفيذه . وكل يتشبث بكلمته زاعمًا أنه هو الأعلى وهو الأحق بأن تسمع كلمته ويُطاع !
فهل هذه الآلهة - المتوهمة - تستحق الاحترام وهي هكذا تتعامل مع بعضها البعض ؟!
وهل يستقر حال الكون وهي - في صراعها على السلطة - تصدر الأوامر المتباينة للكون ، فيحار الكون لأي أمر يذعن وأي أمر يطيع ؟!
كلا ! ما كان حال الكون ليستقر لو أنها آلهة متعددة تتصارع فيما بينها وتتنازع . وما كان الكون ليبدو متناسق الحركة متناسق الصنعة متناسق التدبير .