أما هنا فالسياق يشير إلى الشركاء بالذات ، ويركز عليهم ، يركز عليهم لينفي وجودهم ، ولكنه لا ينفيه نفيًا مباشرًا ، إنما من خلال سؤال مكرر: هل من شركائكم - المزعومين بطبيعة الحال - من يفعل كذا أو كذا مما يفعله الله ؟ فإذا كان الجواب بالنفي - ولا بد أن يكون بداهة كذلك - فماذا يفعل الشركاء إذن ؟ وإن لم يكن لهم عمل فما معنى وجودهم ؟ إنهم إذن لا وجود لهم ما داموا لا يعملون شيئًا على الإطلاق !
والأمر الثاني: أنه ينبه العقل الغافل إلى طريق التفكير الصحيح . إنه لا يجوز للعقل - الذي خلقه الله للتفكر والتدبر - أن يأخذ الأمور بالظن ، دون تمحيص وبرهنة وإثبات . والظن لا يغني شيئًا عن الحق . فعلى الذين يأخذون القضية بالظن أن يتخلوا عن هذا الطريق الخاطئ ويتبعوا الطريق الصحيح ، طريق الدليل الصحيح والبرهان .
تبدأ الآية الأولى بسؤال حاشد: من يرزقكم في السماء والأرض ؟ من يملك السمع والأبصار ؟ من يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ؟ من يدبر الأمر ؟ وهي لمحات سريعة في مجالات شتى في آن واحد ، تحاصر العقل وتحصره في إجابة واحدة: ( فَسَيَقُولُونَ اللّهُ ) ! وإذا كان الأمر كذلك أفلا تتقون ، وقد عرفتم الإجابة الصحيحة على السؤال !
( فَذَلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلاَلُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ ) ؟
الله الذي عرفتموه ، وعرفتم أنه هو الذي يرزقكم من السماء والأرض ويملك سمعكم وأبصاركم ويخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ويدبر الأمر .. هو ربكم الحق . لا ربوبية لغيره ، فكيف تتجهون إلى غيره ؟ كيف تحيدون عن الحق الواضح فتضلون ؟ فإن من تجاوز الحق فليس أمامه سوى الضلال .
( كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُواْ أَنَّهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ ) . لأنهم يصرون على مجاوزة الحق فيقعون في الضلال .