والتعبير القرآني يظهر هذه الحقيقة بوضوح: ( دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ) . ففي تلك اللحظة الحرجة ، لحظة الانقطاع من كل أمل في الخلاص أو العون ، يكون إحساس الناس بالذات الإلهية واضحًا مستقرًا عميقًا في النفس ، كأنما كان هناك ستار يغشّي هذه الحقيقة في النفس فانجاب الستار وانكشفت الحقيقة . ويكون التوجه إلى الله مخلصًا كذلك . فالخطر الداهم مفزع ، والملجأ الوحيد هو الله . عندئذ يتشبث الإنسان بالملجأ ، صادق الرغبة في الالتجاء . وحين يدعون الله مخلصين له الدين يكونون في لحظتها صادقين في قولتهم: ( لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ ) ذلك أنهم في فزعهم يشعرون أن الله قد يرضى عنهم ويخلّصهم مما هم فيه من الكرب إذا تابوا إليه من انحرافهم واستقاموا على أمره ، فيليجئهم الفزع إلى نية التوبة وإلى الوعد بالشكران . ولا يكون الشكران إلا بطاعة الله .
ولكن .. كم تبقى تلك المشاعر على إخلاصها ؟! فقط لحين تنتتهي الشدة ويزول الكرب ! ( فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ ) !! ما أسوأ هذا الإنسان وما أخسره !
لقد عاد الستار الذي كان يحجب حقيقة الألوهية في نفسه فانسدل كما كان ، وران على قلبه ما كان يرين عليه من قبل . ولم تكن تلك الصحوة إلا صحوة عارضة أنشأتها الشدة ، فلما زالت الشدة عاد إلى ما كان فيه من غفلة ، واستنام إلى ما كان فيه من بهتان !
( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ) .
نعم ! إنه متاع الحياة الدنيا ، ذلك المتاع الزائل الزائف هو الذي يلهيهم فينسيهم ربهم ، وينسيهم آخرتهم ، فيغرقون في هذا المتاع غافلين عن كل ما عداه .