فهرس الكتاب
الإنصاف، أو: الإطراء والافتراء، فذلك سر الأمور التي تدخل-على القائم بذلك-الآفة منها. والمتقدمون سالمون منه غالبًا، منزهون عنه، لوفور ديانتهم، بخلاف المتأخرين، فإنه ربما يقع ذلك في تواريخهم، وهو مجانب لأهل الدين وطرائقهم.
فالجرح والتعديل خطرٌ، لأنك إن عدّلت بغير تثَبُّت، كنت كالمثبت حكمًا ليس بثابت، فيخشى عليك أن تدخل في زمرة من روى حديثًا وهو يظن أنه كذبٌ، وإن جرَّحت بغير تحرز، أقدمت على الطعن في مسلم برئٍ من ذلك، ووسَمْتَه بمِيْسَم سُوء يبقى عليه عاره أبدًا! فالجرح خطرٌ أي خطر! فإن فيه مع حق الله تعالى ورسوله-صلى الله عليه وآلله وصحبه وسلم-: حقَّ آدمي).
وقال الإمام ابن الصلاح [1] : (النوع الحادي والستون: معرفة الثقات والضعفاء من رواة الحديث) : (الكلام في الرجال جرحًا وتعديلًا، جُوِّزَ صَوْنًا للشريعة، ونفيًا للخطأ والكذب عنها، وكما جاز الجرحُ في الشهود جاز في الرواة. ثم إن على الآخذ في ذلك أن يتقي الله تبارك تعالى، ويثبت ويتوقَّى التساهل، كيلا يجرح سليمًا، ويَسم بريئًا بسمة سوء، يبقى عليه الدهرَ عارُها-ويلحقه من تساهله العقاب والمؤاخذة-. وأحسب أبا محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم-الرازي-من مثل من ذكرنا خاف! فيما رُوَّيناه أو بُلّغناه: أن يوسف بن الحسين الرازي وهو الصوفي، دخل عليه وهو يقرأ كتابه في:(الجرح والتعديل) ، فقال له: كم من هؤلاء القوم قد حطوا رواحلهم في الجنة، منذ مائة سنة ومائتي سنة، وأنت تذكرهم وتغتابهم؟! فبكى عبد الرحمن!) -قال الذهبي [2] : (أصابه على طريق الوَجَل وخوف العاقبة، وإلا فكلام الناقد الورع في الضعفاء من النصح لدين الله، والذب عن السنة-وبُلِّغْنَا أنه حُدِّث-وهو يقرأ كتابه ذلك على الناس-عن يحيى ابن معين أنه قال:(إنا لنطعن على أقوام لعلهم حطّوا رحالهم في الجنة منذ أكثر من مائتي سنة! فبكى عبد الرحمن! وارتعدت يداه حتى سقط الكتاب من يده) .
(1) -انظر: كتابه: (معرفة أنواع علم الحديث) (ص:389/ 390) .
(2) -انظر: (سير أعلام النبلاء) (13/ 368) .