فهرس الكتاب
وإذا علمنا ما سبق فلا التفات إلى ما قاله بعض المعتزلة في يحيى بن معين:
ولابن معين في الرجال مقالة * سَيُسأل عنها والمليك شهيد
فإن كان حقًا فالمقالة غيبة * وإن كان كِذْبًا فالعذاب شديد
ورد ابن معين على هذا المعتزلي الخبيث قائلًا: (لأن يكونوا خصمائي خير من أن يكون خصمي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بتركي الذب عن سنته، أو: كما قال) .
كما في: (العلم الشامخ) (ص:388 - تحت عنوان:(الجرح والتعديل غير غيبة) [1] -ويشبه كلام ابن معين-قول يحيى بن سعيد حين قيل له: (أما تخشى أن يكون هؤلاء الذين تركت حديثهم خصماءك عند الله؟
(1) -فائدة في كتاب: قال العبد الفقير إلى عفو ربه أبو الفضل عمر الحدوشي: (العلم الشامخ في إيثار الحق على الآباء والمشايخ) للعلامة صالح ابن مهدي المقبلي اليمني، كتاب نفيس، أرويه بسندي المتصل إلى المؤلف، وقد قال عنه المحدث الألباني في حاشية: (رفع الأستار) (ص:141) : (كتاب عظيم فيه بحوث هامة في علوم الكلام والعقيدة ... ومؤلفه عالم فاضل محقق، من زيودية اليمن المتحررين أمثال المؤلف: الصنعاني والشوكاني رحمهم الله تعالى) .
والكتاب: قرأته مرتين، مرة خارج السجن، ومرة داخل السجن-بعد أن تحصلت على السند المتصل إلى مؤلفه-والكتاب من أروع ما قرأت في محاربة التقليد، والكتاب يقرأ من عنوانه، لولا ما فيه من الهنات التي لا يخلو منها كتاب، اسجل بعضها هنا في هامش كتابي هذا المسمى: (قناص الشوارد الغالية، وإبراز الفوائد والفرائد الحديثية) :
1 -استدلاله بالأحاديث الضعيفة وهي كثيرة، وانتقاده لأحمد، وابن معين، وابن المديني، والذهبي بأسلوب جارح وشديد في ردهم روايات بعض المبتدعة، وقبول رواية بعضهم-والمسألة قابلة للأخذ والرد-
2 -وشكه في عدالة الصحابة كما هي عادة الشيعة،
3 -وإضافة مذهب الزيدية إلى نفسه بعد أن تبرأ منه،
4 -وأنه يقول بقول المعتزلة والأشاعرة في بعض مسائل القدر،
5 -وأنه ينسب بعض الكتب لغير أصحابها كما قال في: (ص:29) : (وأما من الناظرين في الكلام فلم أظفر بالتصريح بهذه المقالة إلا لابن تيمية في كتاب سماه:(مفتاح دار السعادة، ومنشور ولاية العلم والإرادة) طبع عدة مرات، وبين يدي الآن عدة طبعات: دار الحديث بالقاهرة، تحقيق: سيد إبراهيم، وعلي محمد، ودار الفكر، أشرف على تصحيحه ومراجعته الأستاذ فكري أبو النصر، ودار ابن القيم، ودار ابن عفان، تحقيق: علي بن عبد الحميد، وحققه وخرج أحاديث وعلق عليه عصام فارس الحرستاني، وحسان عبد المنان الطيبي، واختصره سليم الهلالي-وخصره كعادته-وسماه: (تنقيح الإفادة المنتقى من مفتاح دار السعادة، ومنشور ولاية العلم والإرادة) ، من مطبوعات: مكتبة الصحابة.
مع أن الكتاب والقول ليس لشيخ الإسلام ابن تيمية بل: هو لتلميذه العلامة الرباني المحقق ابن القيم، وقد نسب الكتاب للحافظ ابن القيم الإمام السيوطي في: (شرح سنن النسائي) (3/ 141) ، وفي: (بغية الوعاة) (1/ 63) ، والحافظ الزبيديفي: (إتحاف السادة المتقين، شرح إحياء علوم الدين) (1/ 187) ، والحافظ ابن رجب في: (ذيل طبقات الحنابلة) (2/ 450) ، والإمام الصفدي في: (الوافي بالوفيات) (2/ 271) ، والحافظ ابن حجر في: (الدرر الكامنة) (2/ 241) ، والداوودي في: (طبقات المفسرين) (2/ 93) ، وأكثر من هذا ابن القيم عزا الكتاب ونسبه لنفسه في عدد من مؤلفاته، كما في: (زاد المعاد في هدي خير العباد) (3/ 114) ، و (مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين) (1/ 91) ، و (3/ 490) ، و (إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان) (2/ 125) .
6 -وذكر في: (الأرواح النوافخ لآثار إيثار الآباء والمشايخ) (ص:576) تحت عنوان: (نكتة نفي كونه تعالى ظلامًا) ما لفظه: (ولقد كنت مستشكلًا للمبالغة في نحو قوله:(وما ربك بظلام للعبيد) .
إذ ظاهر الأمر أن نفي المبالغة لا يستلزم نفي أصل الفعل بل: ربما يشعر بثبوته ولو في بعض المقامات، وأيضًا: نفي أصل الفعل أظهر في المدح، وعليه (أن الله لا يظلم مثقال ذرة) ، ويناظره باعتبار (لا تأخذه سنة ولا نوم) ، حيث قدم السنة مثل (لا يغادر صغيرة ولا كبيرة) (سورة الكهف، رقم الآية:48) .
ولم يقنعني قولهم: إنه مبالغة في النفي لا في المنفي، لأن ذلك منهم مجرد دعوى لمعنىً صحيح بل: دليل عليه، وسألت من لقيت وغاية فاضلنا أن يفهم ما قاله مولانا سعد الدين وأضرابه فرأيت بعد حين لبعض المتأخرين كلامًا معناه: أن صفات الباري لا تكون إلا في غاية الكمال فلو اتصف بماهية الظلم تعالى عن ذلك لما كان إلا القدر الذي يعبر عنه بصيغة المبالغة في النفي على ذلك.
ونعم ما قال، وتبقى المبالغة على ظاهرها في المنفي ثم ظهر لي وجه أحسن من ذلك وهو أن قبح القبيح من الله تعالى أعظم منه من خلقه فناسب أن يعبر عنه بالمبالغة تنبيهًا على ذلك أي: لو وقع منه تعالى لكان حقيقًا أن يعبر عنه بلفظ المبالغة). الخ. مع أن هذا الأسلوب للنِّسبة وليس للمبالغة (وما ربك بظلام) أي: بمنسوب للظُّلم قال ابن مالك:
(ومع فاعلٍ وفَعَّلٍ فَعِلَ ... في نَسَبٍ أغنى عن اليا فقُبِلْ)
ومآخذ أخرى جاءت من رواسب نشأته البدعية، وهو مأجور لأنه لم يقصد بكلامه البدعة بل: أراد الحق والدفاع عنه، فخانه الصواب في بعض الأشياء، ومن علم غيرها فليرشدنا إليها مشكورًا، وسميتها: (فائدة في كتاب) ، ولي منها كثير في كتابي: (ذاكرة سجين مكافح-بأجزائه السبعة) والله أعلم).