فهرس الكتاب
وقلت له: إن أهل الحديث وغيرهم، قالوا: إن من ادعى الصحبة بعد مائة سنة من وفاته-صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم-فهو كاذب، وأن آخر الصحابة موتًا أبو الطفيل، مات سنة عشر ومائة من الهجرة، فقال لي: لا بد من نقل في هذا بخصوصه، فلما رجعت رأيت الميزان للذهبي، فرأيته ذكر معمر بن بريك، وأنه عُمِّر مئين من السنين، وروي عنه أحاديث خماسية باطلة، وهي كذب واضح، وقال: إنه من نمط: (رتن الهندي) ، فقبح الله من يكذب، فأرسلت (الميزان) للشيخ صلاح الدين فرآه فشكر ودعا، ثم بعد مدة أراني شخص ورقة فيها تحديث الشيخ صلاح الدين بهذا الحديث، وإجازته إياه، فكتبت فيها أن هذا الحديث كذب، لا تحل روايته، ولا التحديث به، فليعلم كل مسلم أن معمرًا هذا دجال كذاب، وقصته هذه كذب وافتراء، لا يحل لمسلم أن يحدث بها ولا يرويها، ومن فعل ذلك دخل في قوله-صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم-: (من كذب علي فليتبوء مقعده من النار) .
ثم رأيت بعد ذلك فتيا قدمت للحافظ أبي الفضل بن حجر في معمر هذا، فكتب عليها ما نصه-لا تخلو طريق من طريق المعمر عن متوقف فيه-حتىلمعمر نفسه-فإن من يدعي هذه الرتبة يتوقف على ثبوت العدالة، وثبوت ذلك عقلا لا يفيد مع ورود الشرع بنفيه; فإنه-صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم-أخبر في الأحاديث الصحيحة بانخرام قرنه بعد مائة سنة من يوم مقالته المشهورة، فمن ادعى الصحبة بعد ذلك لزم أن يكون مخالفا لظاهر الخبر.
ثم رأيت فتيا أخرى رفعت له، فكتب عليها ما نصه-هذا الحديث لا أصل له والمعمر المذكور إما كذاب أو اختلقه كذاب، وآخر الصحابة موتًا مطلقًا أبو الطفيل عامر بن واثلة الليثي-ثبت ذلك في: (صحيح مسلم) ، واتفق عليه العلماء، واحتج البخاري بحديث أنه-صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم-قال قبل موته بقليل: (إن على رأس مائة سنة من تلك الليلة لا يبقى على وجه الأرض ممن هو عليها أحد)