فهرس الكتاب
وأن الطبقة التي تلت هؤلاء تكلموا في الرواة الذين أخذوا عنهم، واتصلوا بهم، لكن كيف نفسر كلام كبار علماء الجرح والتعديل ممن عاشوا في المئة الثالثة في رواة لم يلحقوهم من التابعين ومن بعدهم، ولم يؤثر للمتقدمين فيهم جَرْحٌ أو: تعديل، فندعي أنهم اعتمدوا أقوال من سبقهم في الحكم عليهم؟ بيان ذلك في الأمثلة الآتية الموضحة:
1 -قال ابن أبي حاتم في: (الجرح والتعديل) (2/الترجمة:5) ترجمة: أحمد بن إبراهيم الحلبي: (سألت أبي عنه، وعرضت عليه حديثه، فقال: لا أعرفهُ، وأحاديثه باطلة موضوعة كلها ليس لها أصولٌ، يدل حديثه على أنه كذَّاب) .
2 -وقال ابن أبي حاتم أيضًا في: (الجرح والتعديل) (2/الترجمة:170) ترجمة: أحمد بن المنذر بن الجارود القزاز: (سألت أبي عنه، فقال: لا أعرفه، وعرضتُ عليه حديثه، فقال: حديث صحيح) .
3 -وقال أبو عبيد الآجري في ترجمة: مسلمة بن محمد الثقفي البصري: (سألت أبا داود عنه، قلت: قال يحيى(يعني: ابن معين) :"ليس بشيء"؟ قال: حدثنا عنه مُسدّد، أحاديثهُ مستقيمة. قلت: حدث عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة: (إياكم والزَّنج، فإنهم خلق مشوه، فقال: من حدَّث بهذا فاتَّهِمْه! -كما في:(تهذيب الكمال) (27/ 574) للحافظ المزي).
فهذه الأمثلة الثلاثةُ واضحةُ الدلالة على أن أبا حاتم الرازيَّ، وأبا داود لم يعرفا هؤلاء الرواة إلا عن طريق تفتيش حديثهم المجموع، وأنهما أصدرا أحكامهما إستنادًا إلى ذلك.
ومثل ذلك قول البخاري (ت:256) في إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة الأشْهلي المدني (83 - 165 هـ) : منكر الحديث، وقول أبي حاتم الرازي (ت:277 هـ) فيه: شيخٌ، ليس بقوي، يكتب حديثه ولا يحتج به، منكر الحديث، وقول النسائي (ت:303 هـ) فيه: ضعيف-كما في: (تهذيب الكمال) (تهذيب الكمال) (2/ 43) .