فهرس الكتاب
فهؤلاء العلماء الثلاثة لم يدركوه ولا عرفوه عن قرب ولا نقلوا عن شيوخهم أو: آخرين ما يفيد ذلك، فكيف تَمَّ لهم الحصولُ على هذه النتائج والأقوال؟ واضحٌ أنهم جمعوا حديثه ودرسوه، وأصدروا أحكامهم اعتمادًا على هذه الدراسة.
وحينما يذكر المتقدمون أن النقد إنما يقوم على العلماء الجهابذة، فليس معنى ذلك أنه يقوم على دراسة الإسناد، يقول ابن أبي حاتم في: في تقدمة: (الجرح والتعديل) (1/ 2) : (فإن قيل: فبماذا تُعْرَف الآثار الصحيحة والسقيمة؟ قيل: بنقد العلماء الجهابذة الذين خصهم الله عز وجل بهذه الفضيلة، ورزقهم هذه المعرفة في كل دهر وزمان) .
ثم قال ابن أبي حاتم أيضًا في تقدمة: (الجرح والتعديل) (1/ 2) : (قيل لابن المبارك: وهذه الأحاديث المصنوعة؟ قال: يعيش لها الجهابذة) [1] .
وهذه المرحلة هي المرحلة الأكثرُ أهمية في تاريخ الجرح والتعديل، وهي التي ينبغي أن تُتبع اليوم، لا سيما في المختلَف فيهم، إذ يَتَعيَّنُ جَمْعُ حديثهم، ودراستُه من عدة أوجه-على أن المحدث الألباني في: (سلسلة الأحاديث الصحيحة) (1/ 825) : (ليس كل اختلاف في الراوي يضر، بل لابد من النظر والترجيح) :
أولها: أن ينظر في الراوي إن كان له متابع على روايته ممن هو بدرجته، أو: أكثر إتفاقًا منه.
والثاني: أن يعرض حديثه على المتون الصحيحة التي هي بمنزلة قواعد كلية، وهي القرآن الكريم وما ثبت من الحديث، فإن وافقها اعتبرت شواهد لها يتقوى بها، أما الشواهد الضعيفة فلا عبرة بها.
المرحلة الثالثة: الجمع بين أقوال المتقدمين في الرواة، وبين جمع حديث الراوي وسَبْره وإصدار الحكم عليه، كما نراه واضحًا عند علماء القرن الرابع الهجري مثل:
1 -ابن حبان (ت:354 هـ) ،
(1) -انظر: (شرح ألفية الحديث) (ص:24) للحافظ العراقي.