وليس المراد من كلامهم مطلقَ الإسناد، وإنما المقصود الإسناد المتصل كما قال ابن المبارك-أيضًا-: (طلب الإسناد المتصل من الدين) [1] .
وقال أبو علي محمد بن أحمد بن مصطفى العُمري الهندي-قاضي القضاة بمِدراس الملقب بارتضا علي خان في: (مدارج الإسناد) (ص:2) : (إن اتصال إسناد الأخبار ... من وثائق الدين، ومن ملة الوسائل الموصلة إلى سيد المرسلين، وقد بذل السلف الصالح في تحقيقه وتحصيله الهمم، وشرفت به هذه الأمة المشهود لها بالخير من بين سائر الأمم، إذ لولاه لما تميزت الأحاديث الصحيحة من الضعيفة، ولا تحصلت الاستقامة للشريعة الْمُنيفة، فلذلك صار أصلًا عظيمًا، وخطرًا جسيمًا) [2] .
وقال الإمام أحمد بن حنبل-رحمه الله تعالى-: (سمعت يحيى بن سعيد-يعني: القطان-يقول:"الإسناد من الدين"، قال يحيى: وسمعت شعبة يقول: إنما يُعلمُ صحةُ الحديث بصحة الإسناد) [3] .
وقال مجد الدين بن الأثير-رحمه الله تعالى-: (واعلم أن الإسناد في الحديث، هو الأصل، وعليه الاعتماد، وبه تُعرف صحةُ الحديث وسَقَمُهُ) [4] .
وقال أبو إسحاق الشاطبي-رحمه الله تعالى [5] : (ولو كان من شأن أهل الإسلام الذابين [6] عنه، الأخذُ من الأحاديث بكل ما جاء عن كل مَن جاء، لم يكن لانتصابهم للتعديل والتجريح معنى-مع أنهم قد أجمعوا على ذلك-ولا كان لطلب الإسناد معنىً يُتَحَصل، فلذلك جعلوا:"الإسناد من الدين" [7] ، ولا يعنون:"حدثني فلان عن فلان"مُجَرَّدًا، بل: يريدون
(1) -انظر: (الكفاية) (2/ 450) ، وهامش: (قيمة الإسناد) (ص:24) .
(2) -انظر: (قيمة الإسناد) (ص:24) .
(3) -أخرجه ابن عبد البر في مقدمة: (التهذيب) (1/ 57) ، وهامش: (قيمة الإسناد) (ص:25) .
(4) -انظر مقدمة: (اجامع الأصول) (1/ 109) ، وهامش: (قيمة الإسناد) (ص:25) .
(5) -انظر: (الاعتصام) (1/ 287/288 - دار ابن عفان) ، أو: (1/ 280 - دار الخاني) ، أو: (1/ 241 - مكتبة العلوم والحكم) ، أو: (ص:218 - المكتبة التوفيقية) ، أو: (2/ 15 - دار ابن الجوزي) ، أو: (1/ 225 - دار المعرفة) ، وهامش: (قيمة الإسناد) (ص:25) .
(6) -وفي نسخة: (الاعتصام) (1/ 225 - دار المعرفة) تحقيق: محمد رشيد رضا، بلفظ: (إذًا يبين(؟) عنه).
(7) -انظر: (مقدمة:"صحيح مسلم") (1/ 15) ، وهامش: (الاعتصام) (2/ 15 - دار ابن الجوزي) .