من التأويل وكانوا إذا سأل سائل عن شيء من الصفات تلوا عليه الدليل وأمسكوا عن القال والقيل وقالوا: قال الله هكذا ولا ندري بما سوى ذلك ولا نتكلف ولا نتكلم بما لم نعلمه ولا أذن الله لنا بمجاوزته )) [1] ،
وقد ذكر أيضا أن إطالة الكلام في مثل هذه المباحث إضاعة للأوقات واشتغال بحكاية الخرافات المبكيات لا المضحكات وليس المقصود ههنا إلا إرشاد السائل إلى المذهب الحق الذي تقدم ذكره [2] ،
وحقيقة ما يقوله الإمام الشوكاني هو الصحيح؛ لأن النصوص التي جاء بها الكتاب والسنة، وما أثر عن الصحابة والتابعين، وما نهجه أئمة المذاهب، هو عين ما قاله، وما يحل الآن من صراعات بين المسلمين هو بسبب هذه الجدالات العقيمة التي لا تغني ولا تذر، وكذلك فإن المتبصر في آيات القرآن الكريم لا يجد نصا واحدا عن طريق العبارة أو الإشارة يأمرنا بالخوض في بحث الصفات، بل إن الوارد هو الإعلام فقط، من دون البحث والتعمق فيها، إضافة إلى أن البحث فيها يورث قسوة في القلب وتورث أيضا وسوسة الشيطان الرجيم لعنة الله عليه، فالإيمان يجب أن يكون على سبيل التصديق المطلق، دون تعليل أو تشكيك - والله تعالى أعلم بالصواب.
نشأ الشوكاني في مجتمع يسود فيه المذهب الزيدي، وتلقى علومه الأولى في هذه البيئة العلمية ليكون احد أتباع المذهب الزيدي، وبعد أن نال
(1) - التحف في مذاهب السلف: 63 و 64 لـ (محمد بن علي الشوكاني، دار الهجرة /بيروت /ط 2/ 1408 هـ - 1988 م، تحقيق: طارق السعود) .
(2) - ينظر: التحف في مذاهب السلف: 1/ 71، أدب الطلب: 1/ 146.